في كتابه “الحملة الصليبية الأمريكية: نضالنا من أجل البقاء أحراراً” (2020)، شبه بيت هيغسيث، وهو مذيع التلفزيون الذي أصبح “وزير الحرب الأمريكي”، الأمريكيين بالصليبيين الجدد، ويتفاخر بالوشم الموجود على ذراعه “ديوس فولت” (إرادة الله)، وهي صرخة حرب الصليبيين الذين، حسب قوله، “يجب أن نشكرهم”.
يرى هيغسيث أن الصليبيين كانوا محاربين مسيحيين من غرب أوروبا، انضموا إلى مهمة تحرير القدس، حيث سيطر المسلمون الكفار على كنيسة القيامة.
هم حماة حضارة الغرب التي -حسب رأيه- تعزز قيمة “الحرية” و”العدالة” و”المساواة”.
وقد دافع المسيحيون ضد غزو الإسلام في حينه مثلما يفعلون الآن.
وشعر هيغسيث بأنه مسيحي مضطهد: كرجل قوات أمن في فترة الإعداد لتنصيب بايدن في العام 2021، تم طرده من وظيفته بسبب وشم على جسده، وهو الحرق الذي جسد قلقه من أن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد أيديولوجيا إسلامية ويسارية، التي قد تقضي على حرية الإنسان.
في الحرب الحالية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يضيف الأمريكيون مدماكاً آخر إلى أسطورة الحروب الصليبية التي لها أوجه كثيرة.
ومثل أي أسطورة؛ فهي ليست خرافة أو مجموعة أكاذيب فحسب.
فالأسطورة هي حقيقة من منظار معين، وأسلوب آخر للتفسير، وسجل أسطوري يصوغ فيه كل طرف روايته.
هيغسيث عضو في الكنيسة الإفنغلستية الإصلاحية، وهي جزء من حركة راديكالية أسسها داغ ويلسون، وتضم أكثر من 150 كنيسة إنجيلية.
ويلسون، القومي المسيحي، وصف الحروب الصليبية بشكل إيجابي رغم أعمال القتل التي نفذها الصليبيونبالنسبة للمؤرخين هي حبكة دراما يغزو فيها المسيحيون الغربيون الشرق الإسلامي.
وبالنسبة لعلماء اللاهوت، تعدّ هذه الحادثة رمزاً ومثالاً على قوة المؤمنين الروحية، سواء كانوا مسيحيين يهاجرون من وطنهم لحماية نسيجهم الديني، أو مسلمين توحدت قلوبهم وسيوفهم لهزيمة الكفار المسيحيين بعد قرنين.
أما بالنسبة للقومية العربية الحديثة فهي أسطورة سياسية تحشد الجهود وفق “عمل الآباء إشارة للأبناء”، حيث كانت الحادثة التاريخية مثالاً ونموذجاً للأحفاد الذين سيتمكنون من طرد الكفار اليهود من أرض إسرائيل في القرن العشرين.
وبالنسبة للقوميين الإسرائيليين، هي درس تاريخي يحتاج إلى تقديم علاج مسبق للمرض.
أما الأصوليون، فهي عندهم ذريعة لمهاجمة العولمة والحداثة والعلمانية.
والأصوليون الأمريكيون وممثلوهم في الحكومة هي عندهم نموذج إلهام لكيفية إدارة الحرب الآن ضد إيران والإسلام.
تردد الرواية الأمريكية الأسطورية الحالية عن الحروب الصليبية، التي يمثلها مفهوم “تفوق العرق الأبيض” للإفنغلستيين [الإنجيليون]، صدى ملاحظة الجغرافي التاريخي الراحل روني الينبلوم، الذي جادل بأن أي أمة غربية في القرن التاسع عشر اخترعت رواية مشابهة عن الحروب الصليبية على أرضها.
الثورة الإسلامية ضد الكولونيالية في العصور الوسطى تم تجنيدها في العصر الحالي لتكون ثورة القوميين العرب الناشئين ضد الكولونيالية الغربية.
ولكن المستعمرين الأوروبيين استثمروا علم التاريخ الجغرافي في خدمة السياسة، وضموا الجغرافيا للتاريخ.
لقد تخيل الفرنسيون حملات تشارل العاشر ونابليون كحروب صليبية فرنسية، وتوج الألمان فريدريك بارباروسا بطلاً قومياً في السعي لتوحيد ألمانيا، واعتبرت بلجيكا غوتفريد ديبوا، الذي لم تكن بلجيكا هي مسقط رأسه، لكنه أصبح كذلك في القرن التاسع عشر.
وفي العام 1851، بعد المعرض العالمي الكبير نقل الإنجليز تمثال ريتشارد قلب الأسد إلى مكانه الجديد قرب قصر ويستمنستر، حيث ما زال قائماً حتى الآن.
ويعتبر هيغسيث وأمثاله أن مصير البشرية يتعلق بحملة صليبية أمريكية.
فحسب رأيه، يجب على الأمريكيين طرد شبح السيطرة على التعليم والثقافة والدين.
الحرب المقدسة من أجل ما يسميه “الأمركة”، التي تتسم بمعارضة النسوية والعولمة والماركسية والتقدمية.
ويقول إن اليساريين “يكرهون أمريكا”، ولذلك، هم يكرهون الدستور.
يعتبر الإسلام في طليعة الأعداء.
هيغسيث عضو في الكنيسة الإفنغلستية الإصلاحية، وهي جزء من حركة راديكالية أسسها داغ ويلسون، وتضم أكثر من 150 كنيسة إفنغلستية [إنجيلية].
ويلسون، القومي المسيحي، وصف الحروب الصليبية مؤخراً بشكل إيجابي رغم أعمال القتل التي نفذها الصليبيون، ووصفها بأنها “رد فعل مناسب في ذلك الحين على العدوان الإسلامي”.
وكتب هيغسيث: “حملتنا الصليبية لا تتناول السيوف، كما يقال، ونضالنا ليس بالبنادق والمسدسات حتى الآن”.
في حرب الخليج الأولى (1991) قدمت الولايات المتحدة، القوى العظمى في حينه، نفسها كقائدة حملة أخلاقية على خلفية الصورة الذاتية التي انعكست في كتاب بعنوان “الحملة الصليبية في أوروبا”، الذي اختاره آيزنهاور لمذكراته عن الحرب العالمية الثانية، والتي وصفها بأنها حرب عادلة ولا مثيل لها.
بسرعة، اكتسبت الحرب ضد العراق رموزاً وقواعد ثقافية، “حرب علامات تجارية”، حسب تعبير الباحثة الثقافية نعومي كلاين، التي ورثت الصراعات الفعلية.
كان الصراع في الشرق الأوسط حرباً مقدسة بين صدام حسين (صلاح الدين) وجورج بوش (ريتشارد قلب الأسد).
لقد تبنى بن تسيون نتنياهو، المؤرخ من العصور الوسطى، تصوراً مشابهاً للخوف من الإسلام، والعداء الشديد تجاهه، والنظرة التي تقول بضرورة خوض حرب أبدية بين الحضارات.
وقال إن 1200 سنة مرت منذ أوقف شارلمان (كارل الكبير) الموريين الذين حاولوا السيطرة على بلاد الغال (فرنسا الآن).
ومرت أكثر من 300 سنة على طرد الأتراك عن أبواب فيينا، ويرى أن النزعة الإسلامية الإمبريالية القديمة نزعة مشتركة بين العرب والأتراك والموريون، وقد تنفجر هذه النزعة على شكل هجوم عربي – إسلامي جديد على الغرب، ويرى أن الإسلام عمل دائماً على استعباد عالم الغرب، ولو وقف الهجومين السابقين له لما تمكنت أوروبا من التطور الثقافي الذي شاهدته خلال الخمسمائة سنة الأخيرة.
الغرب أعمى، “الانحلال في الغرب هو نفس الانحلال”.
ويؤدي تشاؤم بن تسيون نتنياهو إلى استنتاج أنه “كثيراً ما يظهر لي أن شبنغلر كان على حق: الغرب في حالة تدهور… لم يستوعب الرأي العام الصهيوني حتى الآن حقيقة أن حياة الدولة هي، قبل أي شيء آخر، حياة صراع دائم”.
في حديث جرى بيننا قبيل بلوغه 100 سنة، شرح بن تسيون نتنياهو المنطق الذي يكمن في رغبة الصليبيين في هزيمة الإسلام.
وقد واصل بنيامين نتنياهو النهج الذي بدأه والده.
وفي كلمته أمام النصب التذكاري لإسحق رابين في جبل هرتسل في 2018 قال: “جيراننا ما زالوا يدفعون أموالاً طائلة لقتلة اليهود… البعض يقومون بمقارنتنا، نحن الصهاينة، بالصليبيين الذين حكموا هذه الأرض 100 – 200 سنة.
ومثلما سقط الصليبيون على يد المماليك واختفوا، يأمل هؤلاء الأصوليون أن تختفي إسرائيل.
لسنا صليبيين أو صليبيين جدداً”.
في بداية العام 2000 وصف الصحافي غاي باخور، بدقة، فرضية نتنياهو الأساسية (وأنا أقول التي تحركه أيضاً في حربه مع إيران)، “أن إسرائيل على وشك أن تصبح طواعية حصناً صليبياً منفصلاً، الأمر الذي يشهد على غربتها وخلوها من أي محاولة للاندماج واكتساب شرعية حقيقية في المنطقة” (“يديعوت أحرونوت”، 13/12/2000).
المسيحية الغربية احتضت إسرائيل في حربها ضد الإسلام الشرقي – وتبين أن الصراع هو صراع بين الغرب واليهود من جهة وبين العرب والمسلمين.
وهكذا حدث انقلاب يثير الاهتمام في العلاقة التاريخية المعقدة بين اليهود والمسلمين والمسيحيين، حيث انضمت نجمة داود للصليب في الصراع ضد الهلال.
في صراع الحضارات، في الصراع بين الإسلام والمسيحية، بين الشرق والغرب، ألا تجد إسرائيل نفسها معرضة لأن تكون بين المطرقة والسندان، بين “الخير” المسيحي و”الشر” المسلم؟ ألا يقتبس الإسرائيليون نمط العلاقة المعقدة التي كانت بين المسيحيين واليهود في أوروبا ويسقطونه على علاقاتهم مع المسلمين في الشرق الأوسط؟ ألا يتراجع الإسرائيليون في الوعي الذاتي من نموذج الدولة السيادية إلى نموذج الشتات، الذي هو ضحية الخوف الصليبي، سواء من الغرب المسيحي في السابق أو الشرق المسلم في الحاضر؟إن المحتوى الديني والنوايا المسيحانية والمصالح الاستعمارية قد تخفي الصراعات الحقيقية.
فالحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، التي بدأت كحرب على أهداف محددة مثل السلاح النووي والصواريخ، تتخذ ببطء صفة صراع كارثي بين الغرب والشرق، بين التحالف المسيحي – اليهودي وبين الإسلام.
في معركة الصور في حرب الخليج، شبه هينتنغتون صدام حسين بزعيم المسلمين الذين لم يحالفه الحظ في هذه المرة.
ويبدو أن وزير الحرب الحالي، مبعوث رئيسه، يكرر مرة أخرى صدى البشرى المسيحية في الولايات المتحدة بصورة أكثر شدة.
قبيل بلوغه 100 سنة، شرح بن تسيون نتنياهو المنطق الذي يكمن في رغبة الصليبيين في هزيمة الإسلام.
وقد واصل بنيامين نتنياهو النهج الذي بدأه والدهأثناء حرب الخليج الثانية، شبه جورج بوش الحرب ومكافحة الإرهاب بـ “حملة صليبية طويلة، ويجب علينا الصبر”.
كان هناك تخوف من أن ينظر إلى هذا التصريح على أنه بداية لصراع بين الحضارات، يستند إلى سابقة العصور الوسطى، حيث يمكن اعتبار الغرب المسيحي قوة سياسية وثقافية تهدد الإسلام.
وبالتالي، قد يجر إسرائيل إلى صراعات لا تخصها.
لقد سارع أسامة بن لادن في حينه إلى الإعلان: “لقد أسسنا مع شريحة كبيرة من إخواننا الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين… ضد العدو الخارجي الأكبر – التحالف الصليبي اليهودي”.
ولكن قبل الهجوم على أبراج التوائم بثلاث سنوات، أعلن بالفعل أن هدفه هو “محاربة اليهود والصليبيين”.
وقد عمل بن لادن على قيادة صراع عالمي شامل وعميق ضد أسس حضارة الغرب، حيث كانت إسرائيل بمثابة رأس السهم.
ويحسب لترامب أنه، على الأقل في هذه المرحلة، لا ينجر وراء خطاب وزير حربه الشعبوي.
يستطيع السياسيون والجنرالات والشعبويون، البعيدون عن الصراع الدموي في الشرق الأوسط، أن يغرقوا في الخيال ويصلون إلى عوالم كارثية، نظريات سياسية وحروب أيديولوجية.
أما نحن هنا، في زاويتنا الصغيرة من البحر المتوسط، إلى جانب جيراننا، نحلم ونصلي بأن لا يأكل سيفنا إلى الأبد.
وتقع علينا مسؤولية عدم إدامة الصراعات عبر صور لا نستطيع التحرر منها.
فبدلاً من الصور الحتمية، تعالوا ننمي الأمل في إمكانية تحويل الأعداء الوهميين إلى أصدقاء حقيقيين أو جيران طيبين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك