لم يكن خالد يعرف، في تلك السن المبكرة، أن للأماكن ذاكرة تشبه ذاكرة البشر، لكنها أكثر عناداً منهم.
لم يكن يعرف أن بعض الأمكنة لا تنسى، وأنها تحتفظ بما جرى فيها، كما لو أنه ما زال يحدث في طبقة خفية من الزمن لا يطالها النسيان.
كان يظن أن البحر بحرٌ فقط؛ ماءٌ أزرق يتحرّك بلا قصد، يتقدّم ويتراجع كما تتنفّس الكائنات الكبيرة، وأن الشاطئ ليس أكثر من فسحة للركض، ومساحة للضحك، وحدّاً مفتوحا بين اللعب والتعب.
لم يكن يدري أن ذلك الرمل نفسه، الذي كان يغوص تحت قدميه الصغيرتين، سيصير بعد سنوات مرآة بعيدةً، كلمّا عاد إليها في الذاكرة أعادته إلى اللحظة التي انكسر فيها المعنى الأول للعالم.
بعد عقود، حين يحاول خالد أن يستعيد ذلك الصباح، لا يفعل ذلك ليستعيد الألم، بل ليستعيد الدهشة الأولى؛ اللحظة التي لم يفهم فيها ما جرى، لكنه شعر بأن شيئاً ما قد انزاح في داخله، وأن العالم لم يعد بسيطاً كما كان قبلها بدقيقة واحدة.
كان في التاسعة من عمره.
نحيل الجسد، لطيف الضحكة، سريع الركض، يضع في قدميه نعلين من الإسفنج الرخيص الذي لا يقي من شيء، لكنه كان يربطه بالأرض أكثر مما يربطه بالطفولة، وكان وجود شيء يشبه الحذاء في قدمي الطفل ميزة كبرى في زمن كان الأطفال يمشون فيه حفاة، وقلما وجدت طفلا ينتعل شيئا، يقيه (الصميتة) حرارة الرمل.
كان هو وعدد من الصبية يلهون على شاطئ معسكر الشاطئ في غزة.
كان الشاطئ ذلك اليوم ساحرا في ظاهره، لكنه لم يمنح اللعب طمأنينة ولا حناناً، وإن لم يكن الصبية يعرفون ذلك حينها.
وبينما هم يتراشقون بالماء ويضحكون؛ ولم يكن يدور في خاطرهم شيء من القلق أو الخوف؛ جاءتهم الصدمة فجأة.
لا كما تأتي الشخصيات في الحكايات، ولا كما كان يبدو الجنود في الصور المتحركة، بل كقطعٍ حادٍّ في المشهد، كصوتٍ غريبٍ اقتحم الصورة من غير تمهيد.
صرخات، ركض بلا اتجاه، أيدٍ خشنة تقبض على أذرع من لحم طري وعظام هشة.
وأوامر تُقذف في الهواء كأنها النقر على حافة الرأس.
الضرب كان مؤلما، ولكن ليس بقدر ما كان مُربكا.
لم يعرف خالد لماذا يُضرب، ولا الذنب الذي اقترفه هو وأصدقاؤه، سوى أنهم كانوا هناك، على شاطئهم، في صباح يشبه أي صباح آخر.
وحين غُمس رأسه في الماء، لم يفكّر خالد بالموت، ولم يحسّ بالخوف كما يحسّ الكبار؛ فكّر بنعليه وحسب.
رآهما يبتعدان قليلا، يطفوان لحظة، ثم تنقضّ عليهما موجة فيختفيان.
شعر لوهلة أن البحر سرقه، وأن هذه الخسارة الصغيرة، هذا الشيء التافه في نظر العالم، كانت أفدح من الضرب نفسه.
كأن البحر الذي كان صديق اللعب، قرر فجأة أن يقسو عليه، فيأخذ منه ملكية خاصة ثمينة من دون إذن.
ثم على غير انتظار، دخلت أصوات أخرى إلى المشهد.
حدة تواجه حدة.
أوامر تُكسر بأوامر.
شيء ما كان يرفض أن يكتمل.
دُفع الصبية بعيداً، لا حماية كاملة، ولا عقابا كاملا، بل إيقاف فجّ للمشهد، كأن أحدهم أغلق الستارة قبل النهاية.
ركضوا.
ركضوا كما يركض من لا يفهم ما الذي جرى، لكنه يعرف، بغريزته وحدها، أن البقاء لم يعد خياراً!كان ثمة شاب يقف على مسافة غير بعيدة.
لم يكن جزءاً من المشهد، ولا خارجَه تماماً، كأنه كان ينتظر أن تتحوّل الفوضى إلى سؤال.
سألهم، ثم أجاب قبل أن يسمع ردهم:– أتدرون من الذي ضربكم؟ ومن الذي خلصكم منهم؟لم يكن خالد يعرف ماذا يقول.
لم يكن يعرف أصلا أن السؤال ممكن.
قال الشاب بتنهيدة وهدوءٍ ثقيل:– الذين ضربوكم دروز، والذين دافعوا عنكم يهود!في تلك اللحظة، لم يفهم خالد الكلمات، ولم يعرف معنى الأسماء، لكنه فهم شيئاً آخر، أعمق وأبقى.
فهم بأن العالم ليس واحداً، وأن القسوة ليست وجهاً واحداً، وأن الأسماء لا تشرح أفعال أصحابها! ظلّ البحر خلفهم صامتاً.
لم يدافع عنهم، ولم يعتذر.
لكنه بدا، في تلك اللحظة، أصدق من كل شرح ممكن.
وحين كبر خالد، وأعاد ترتيب ذاكرة الطفولة، كما تُرتَّب الصور القديمة، انكشف له أصل الحكاية.
عندها فقط فهم لغز اللكمات والصفعات التي تلقاها جسده النحيل على ذلك الشاطئ، وفكّ سرّ البحر الذي ابتلع نعليه الثمينين في ذلك الصباح البعيد.
أدرك متأخرا أن الأمر لم يكن عبث صبية، ولا جوع موج؛ بل كان درساً مبكراً وقاسياً.
عندها فقط عرف أن البحر لا يختلس الأشياء الثمينة فحسب؛ بل يأخذ أحيانا براءة الأطفال الذين يلهون كل يوم على شاطئه بلا خوف ولا قلق.
حين كبر، بهتت الملامح بين الوجوه؛ فلم يعد العدو يأتي بملامحه الصريحة، ولا الجرح يحمل اسما واضحا.
حتى الأيدي التي اعتاد دفأها، صار يحس فيها شيئا من برودة خفية.
فالطعنة لا تعلن عن نفسها.
ويبدو العالم كأنه يبدل أقنعته، ويتركه يتعلم الحذر من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك