صانع الفكاهة ليس كبائعها، ولربّ حامل فقه ليس بفقيه، هذه حقيقة وليست رأيًا، فقد أشارت الدراسات المتخصّصة في مجال الموهبة والتفوّق بأنّ من يصنع الفكاهة (النكتة) هم من يملكون ذكاءً أعلى من (115) على مقاييس الذكاء المعتمدة، ويطلق عليهم المتفوقين عقليًا، يمتلكون صفات (خصائص وسمات) تقدّر بخمس وستين صفة من ضمنها الحس الفكاهي وسرعة البديهة وهما صنوان لا يفترقان.
اضافة اعلانالحس الفكاهي هو صناعة الفكاهة (النكتة) فن هندسة الكوميديا المعتمدة على المفارقة في تحويل المواقف إلى قصص قصيرة مكثّفة، وتشمل المجال الاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والديني.
بل تشمل كافة مجالات الحياة والهدف الوحيد منها هو إسعاد الناس ورسم الابتسامة على محياهم.
تنشأ صناعة النكتة من خلال خيالهم الجامح القادر على الوصول إلى أدق التفاصيل والتي لا تخطر على بال إلّا من هم على شاكلتهم، وقد تكون مواقف حياتية حقيقية قد حصلت وتمّ تداولها، فيتعجب أفراد المجتمع من كيفية الوصول لمثل هذه الفكاهة، ويمكن أن نطلق على النكتة طرفة لأنّها بالفعل تمثّل قيمة متطرفة في الحياة الاجتماعية وتحمل بعدًا عميقًا متجاوزًا الزمان والمكان، فالنكتة جزء من إيقاع الحياة اليومية للأفراد، وتستهوي الكبير والصغير دون تمييز بين لون أو عرق أو جغرافيا أو دين، أو غني وفقير، وذكر وأنثى، أو منصب اجتماعي.
ولا يعرف للنكتة صاحب فهي كالمثل الشرود يطوف مشارق الأرض ومغاربها دون زيادة أو نقصان.
يشبه فن صناعة النكتة فن الكاريكاتير، وهو فن ساخر يبالغ في ملامح الشخصيات أو القضايا السياسية والاجتماعية بهدف النقد الفكاهي، وإيصال رسائل سياسية أو اجتماعية سريعة، وهو لغة تفاهم عالمية ويتميّز بقدرته على التعبير عن رأي الشارع بكل شفافية وواقعية.
تعد النكتة أداة شعبية تدعو إلى الضحك والترويح عن النفس وخفض التوتر، وتنشط في التجمعات الاجتماعية وجلسات العائلة والأصدقاء، كنقد للوضع الاجتماعي القائم، أو بما يتناسب مع المواقف المختلفة، وتعمل على تقوية الأواصر الاجتماعية، وجذب الأصدقاء وترطيب العلاقات.
أمّا سرعة البديهة promptitude فهي ردود الفعل الخاطفة على المواقف المفاجئة، وتتمثّل بالمعالجة العقلية للمدركات وإصدار الحكم بشكل سريع، والخروج من المواقف المحرجة برد فعل غير متوقع وسيطرة تامة على الموقف يلجم المقابل، ولا يترك له مجالاً للحوار أو المناقشة، وهناك شواهد من التاريخ تدل على ذلك منها: خاطب أحد الكتّاب الفيلسوف (جورج برنارد شو): أنا أكتب من أجل الشرف، بينما أنت تكتب لأجل المال، فرد عليه (برنارد شو) كلّ واحد منا يبحث عمّا ينقصه.
أمّا الشاعر المتنبي (أحمد بن الحسين) فتعرض لموقف محرج، خاطبه أحدهم قائلا: رأيتك من بعيد وظننتك امرأةً، فرد عليه المتنبي: وأنا رأيتك من بعيد وظننتك رجلاً.
سيكولوجية الفكاهة: الضحك والبكاء نقيضان على خطٍ متصل، ويكمن بينهما الذكاء الانفعالي، فالضحك قمّة الانفعال المفرح الذي يدل على السعادة، والبكاء قمّة الانفعال المحزن الذي يدل على البؤس، وتقع صناعة النكتة في أقصى يمين الخط المتصل الإيجابي.
يمكن الوقوف على أسباب وتأثير ظاهرة الفكاهة بشكل عام ومشاعر الانبساط الناتجة عنها، وللنكتة إيقاعًا لا يمكن تجاوزه وليس من الضروري أن تنطلق النكتة من أفراد معينين عرفوا بخفة ظلهم، فمحتوى النكتة يبقى هو المسيطر على طبيعة الموقف، وإن كان لخفة الظل تأثيرًا مضاعفًا في إلقاء النكتة، فالنكتة لا تحتاج إلى شرح وتفسير ولا إلى ذكاء مرتفع حتى يتم فهمها، فهي تناسب أذواق عامّة أفراد المجتمع، وقد تكون بالإيماء والحركة بعيدًا عن اللفظ، ولقد ساهم ظهور وسائل التواصل الاجتماعي على انتشار النكتة على نطاق واسع، وأصبح لها مواقع خاصّة تجمع كلّ جديد في هذا المجال، وروّاد كثر، دافعهم خلف ذلك هو الهروب من الواقع المأزوم لتخفيف الضغط النفسي الذي يعانون منه.
يقول عالم النفس النمساوي (سيغموند فرويد): " ليس كلّ ما هو مضحك يمكن تصنيفه نكتة"فقد يتعثّر الكبير فيضحك الصغير وكلما كان السقوط أشد ضحك الصغير أكثر، ولربما يصل الى حد الهستيريا، أمّا النكتة بالتحديد فمعيارها الوحيد أنّها مضحكة.
وأوجد (فرويد) في كتابه (سيكولوجية النكات): رابطًا يجمع بين ما هو منتج لغوي محض بعملية نفسية تقارب بآلياتها الحلم، دون أن يسقط من حساباته البعد الثقافي بمكوناته المختلفة، والنكتة بنظره توظّف الطاقات النفسية ذاتها إنتاجًا وتلقيًا، وأن تصنيفات النكتة تتجاوز بمدلولاتها المفهوم اللغوي الكاريكاتير والتمثيل.
ويختلف وقع النكتة بين الأفراد باختلاف العلاقة الاجتماعية بينهم، فالنكتة بين الأزواج لها طعمها ونكهتها الخاصة التي قد تكون بين الأصدقاء، أو الموظفين، والعمّال بنكهة ووقع مختلفان.
فهناك هامش من الحريّة قد يضيق أو يتسع حسب تقبّل المستمعين لها وطبيعة الموقف الاجتماعي.
في المجال التربوي تعمل النكتة على كسر الجمود وتنشيط وتفعيل الجو الدراسي وتحفّز على بذل الجهد والعطاء، فهي تعمل كفاصل يسوده الفرح والسعادة، والطالب كغيره من أفراد المجتمع مهيأ أغلب أوقاته لاستقبال النكتة والخروج من روتين التدريس، ويتفاوت الطلبة بفهم واستيعاب الفكاهة، والمتفوقون عقليًا هم أكثر قدرة على ذلك، بل بإمكانهم تحويل المواقف التعليمية الصفيّة إلى فكاهة بل إلى مهزلة تعكّر الموقف التعليمي، وعلى المعلّم أن يكون فطنًا لمثل هؤلاء الطلبة ويستميلهم إلى صفّه، ويوظّف ذكاءهم المتعلق بهذه الناحية للمصلحة التعليمية، ولا يغامر بتحديهم أو ترك الحبل على غاربه، ففي هذه الحالة يصبح الطالب محط أنظار الطلبة ويتقمّص دور مهرّج الصف، ومن الصعوبة في هذه الحال السيطرة على إدارة الفصل.
يقول (فرويد): " إنّ الدعابة ليست مجرّد ترفيه، بل آلية دفاعية نفسيّة قويّة ساميّة وراقيّة تكشف عن اللاوعي وتتحرر من القيود الاجتماعية والموانع الداخلية، وتسمح بالتعبير عن المشاعر المكبوتة، ولا يوجد شيء متحرّر من الدعابة"من الناحية الطبيّة: يعد الضحك رياضة طبيعية للوجه، يساعد على شد البشرة وتحسين تدفق الدم لنضارة فورية، وتقليل الاجهاد الذي يمنع ظهور البثور، وتخفيف التجاعيد والخطوط الدقيقة عبر هرمونات السعادة المكوّنة من نواقل عصبية يفرزها الدماغ لتعزيز مشاعر الرضا والتحفيز(الدوبامين) وتعديل المزاج (السيروتونين) لتسكين الألم (الاندورفين) والروابط العاطفية (الأوكسيتوسين) وتذكّر دائما أنّ الابتسامة عنوان المحبّة، والضحك مفتاح السعادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك