هذه خاطرة لعل فيها هيكل الجواب عن سؤال دار في ذهني أن أكتبه على" الفضاء الأزرق"، لما رأيت بعض" الأصدقاء" يسألون: أي سر وراء هذا التعلق للناس بكرة القدم؟ وماذا رأوا فيها حتى لعبت بهم، وهي أداة صنعوها بأيديهم ليلعبوا بها؟ وهل يمكن أن يحمل مخرجها غير الإلهاء والإغواء؟لهؤلاء وأولئك أكتب بضمير المفرد المخاطب: لا تبحث عن سرها في شكلها؛ فهو ليس في ذاتها، إنما هو في ما وراء ذلك الجلد المدور.
ولو كان منحصرا في" الأداة" ما جاوزت حدي" اللعبة" و" الممارسة".
وعلى التسليم بأن وراءها" واضعا" أراد أن يمسك بها" أهل الاستقامة" من تلابيب اهتمامهم – وهذا ليس ببعيد – فإنما حدود تصرفه ضبط المتن كتابة ونصا، ولا سلطان له على مقاليد الهامش والحاشية، بل ليس له التحكم في المتن نفسه؛ بحيث لا يند عن إمكانه دفع شاردة تسلل أو صد واردة تسرب.
بل قد ينفلت من حسابه زمام التسيير في جزئيات لا يستطيع لها دفعا، بحكم حرج موقفه وقوة ضغط تلك الجزئيات وتأثيرها على منظومة" كلياته" الأصلية.
ومهما أوتي ذلك" الواضع" من بلوغ الأسباب، أسباب الإغراء والإلهاء، فلن يخلو له وجه التحكم طبق ما يريد، ولن يصفو له وفق ما يشتهي، ولا يزال يتطرق إلى قاعدته الاستثناء، ولو بدا من ظاهر الواقع غير ذلك.
وإنما يفتضح للناس من أمر" الواضع" الملبس بقدر ما يكذب خرقه تبويبه، وقد يتسع الخرق، فيضطر إلى ترقيعه بالاستدراك والتعديل، وتأبى حالات التناقض إلا أن تخرج رؤوسها بين سانحة وأخرى، وما حالة الانحياز السافر في الحرب الأوكرانية منا ببعيد.
وإنما عنوان رهان ذلك" الواضع" على مسألتين، ثانيتهما فرع عن الأولى: ثقافة الانتماء وتلبس الإدمان؛ فإذا خلت كرة القدم من هذين، فما هي إلا لعبة ورياضة، ثم ما هي بعد ذلك إلا قطعة جلد مدورة.
كانت من قبل لفافات مكورة، ثم ودعت خرجة التكوير الأولية، واستقبلت نسخة النفخ النهائية؛ فاستوت قربة مطاط عادي، فمقوى، ثم استقرت قالب جلد مدورا تماما، ثم أمرت عليها الصناعة العصرية يد فنها؛ فنقشتها، وجعلتها سطحا مركبا من ثمانية لوحات مصبوبة حراريا لتعزيز الديناميكا الهوائية، ثم نفخت فيها من الريح والهواء، وقذفت بها بين أقدام اللاعبين، ثم قالت: هي ذي الكرة، فأين القدم؟" النسخ واللصق"، فإنه كناية عن الممارسة البدنية؛ أي نقل حصاد الأرجل من شاشة المشاهدة إلى ملعب المباشرة.
وما هو بالضرورة بنقل حرفي، إذ يتفاعل المشاهد مع حركة الكرة بشكل تلقائيعادة الممارسة وولع الثقافةلو انتقلت من تاريخ شكل كرة القدم إلى ذكر" النيكوتين" و" النسخ واللصق"، لاتهمني القارئ بالمغالطة والخلط، ولحكم علي بالتخريف الكتابي، وخيل إليه أن الأوراق قد تشابهت علي، فخلطت بين موضوع التدخين" smoking" وخيار المعالجة النصية" copy & paste".
والحق أن" نيكوتين" كرة القدم المستتر هو مصدر تخديرها وسر إدمانها، وكما أن عداد انتقال عدوى الشغف الكروي في ازدياد مطرد، ولا سيما على أبواب" المونديالات"، فكذلك لا يخلو تاريخ" الظاهرة" من تسجيل حالات تعاف فردية، تخلص أصحابها من حالة الإدمان" addiction"، وتحرروا من تأثير" نيكوتين الكرة"؛ فتسللوا لواذا متخففين أو معتزلين.
وأما" النسخ واللصق"، فإنه كناية عن الممارسة البدنية؛ أي نقل حصاد الأرجل من شاشة المشاهدة إلى ملعب المباشرة.
وما هو بالضرورة بنقل حرفي، إذ يتفاعل المشاهد مع حركة الكرة بشكل تلقائي؛ فيختزل عملية المحاكاة على سطح مخيلته في نشاط ذهني فوري، ينتهي مفعوله بانتهاء مسببه.
فإن قرنه صاحبه بالممارسة عن قرب امتد إليه" ظل الأصل"، على قدر استعداده الفطري للتخزين الذهني والتقليد العملي، الذي تصدقه الرجل أو تكذبه.
فإن قيل: هذا عن" الممارسة"، فماذا عن جزئية" الثقافة"؟ أقول: وماذا عن الشغف والولع؟ هذه من تلك؛ الشغف من وراء الولع، والتجرد منزلة بين التشجيع الانطباعي والشغب الغوغائي.
فلو صح عزل" التأثر"، فما هي إلا الكرة واللعب، ثم ما هي إلا الممارسة المجردة.
ولكن" التعلق" غلاب، وضريبته حتمية، وكل امرئ ورصيد مناعته.
ومن وراء السياسة المغرضة التجارة المغرية، وعلى خط مسارهما المشترك تنشأ نابتة الانتماء الوهمي، وتطرد ثنائية هدر الوقت واستنزاف الجيب.
ما ظاهرة ارتياد قاعات" canal"، وانتظار المباراة بعد المباراة في مواسم البطولات الكروية المتشعبة، إلا انعكاس لذلك الإدمان، المؤذن بتغييب متعين الأولوية، وتبديد لازم الاهتمام، وإضاعة واجب الوقتسم الإدمان وترياق الإقلاعولو نهض المختصون النفسيون لتحليل ظاهرة" عشق الكرة"، لخرجوا باستنتاجات وأطاريح من عناوينها العريضة: " التعاطي الأعمى"، و" الجرعة الزائدة"، و" الآثار الجانبية"، و" الأعراض السلبية"، و" التبعات الذهنية".
ولو أخرج لهم التربويون ما عندهم من علم، لأضافوا لهم مباحث في بابي التحدي والإغراء، منها: " القدوة"، و" الانتماء"، و" الإلهاء".
وإنما قرار الإضراب عن تعاطي مغيب الإحساس بالجملة، أو التخفف منه بالتدريج، فرع عن تصور" ما ورائياته"، وذلك يقتضي بطبيعة الحال مراجعة الذات ومحاسبة النفس، ومن ثم كبح جماح الميل، ونزع غشاوة الاندفاع التي تحجب الإدراك، وتنتهي بصاحبها ليصير رهين حالة انجذاب قد يبدأ فيها الشغب من حيث انتهى الشغف.
وليس ذلك الشغب (الجماعي عادة) وقفا على مدرجات الملاعب؛ بل إن لقاعات العرض حظا وافرا ونصيبا عريضا من التعصب الرياضي (Hooliganism)، الذي إن خلا من الشغب العنيف، لم يخل من الصخب الحاد.
وما ظاهرة ارتياد قاعات" canal"، وانتظار المباراة بعد المباراة في مواسم البطولات الكروية المتشعبة، إلا انعكاس لذلك الإدمان، المؤذن بتغييب متعين الأولوية، وتبديد لازم الاهتمام، وإضاعة واجب الوقت.
فإذا صحت النية، وصفَت الرؤية، قوي الجزم وتمكن العزم.
ومن لم يحصل لديه ذلك الاقتناع في ذات صدره، لم يفته في قرارة وعيه أن" الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده".
وإنما مناط الإقلاع صدق الاقتناع؛ فإذا عزم الجد، فلو ملك الإنسان عنان نفسه، وضبط زمام ضميره، لكان خيرا له وأشد تثبيتا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك