من أجمل ما شهدته مصر في سنواتها الأخيرة، ذلك المشهد النادر الذي اجتمع فيه العلم مع الإرادة، والسياسة مع الإنسانية، حين قررت الدولة أن تخوض معركة القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «سي».
لم تكن مجرد مبادرة صحية، ولا حملة للكشف والعلاج فحسب، بل كانت رسالة دولة تقول لمواطنيها: لن نترك مرضاً سرق منكم العمر، ولا خوفاً صادر منكم المستقبل.
وقد نجحت مصر، بما لا يدع مجالاً للشك، في كتابة واحدة من أنصع قصص النجاح في تاريخ الصحة العامة، حتى أصبحت تجربتها محل إشادة العالم كله، وتحوّلت إلى نموذج دولي تدرسه المؤسسات الصحية الكبرى.
ملايين المصريين تعافوا، وعادوا إلى حياتهم، واستعادت الدولة ثقة مواطنيها في قدرة الطب والإدارة معاً على صناعة المعجزات.
كما يوضح الاقتراح برغبة المقدم بشأن إصدار شهادة تعافٍ رسمية لمتعافي فيروس «سي».
لكن تبقى هناك دائماً تلك المسافة المؤلمة بين ما تقوله الحقيقة الطبية، وما يعترف به بعض الأوراق.
فالمتعافي الذي أثبتت التحاليل الدقيقة خلو جسده تماماً من الفيروس، قد يفاجأ عند التقدم للسفر أو العمل بالخارج بنتيجة أجسام مضادة إيجابية، وهي نتيجة معروفة علمياً بأنها قد تستمر لسنوات بعد الشفاء الكامل، دون أن تعني وجود أي عدوى أو مرض نشط.
هنا يبدأ ظلم من نوع آخر: ظلم لا يصنعه المرض، بل تصنعه البيروقراطية وسوء فهم التفاصيل العلمية.
كم هو قاسٍ أن ينتصر المواطن على المرض، ثم يخسر فرصة عمره أمام جهة لا ترى إلا رقماً في تحليل لا يشرح الحقيقة كاملة.
وكم هو مؤلم أن يصبح النجاح الصحي الذي حققته الدولة منقوصاً، لأن ثماره لا تصل كاملة إلى المواطن.
من هنا تأتي أهمية الاقتراح بإصدار شهادة تعافٍ رسمية معتمدة موثقة من وزارة الصحة، ومرفق بها ما يثبت سلبية تحليل PCR، مع توضيح علمي معتمد لطبيعة الأجسام المضادة، وبصيغة عربية وإنجليزية تسهّل اعتمادها أمام السفارات وجهات العمل.
هذه ليست مجرد ورقة إضافية، بل هي استكمال طبيعي لمعنى الشفاء نفسه.
فالشفاء الحقيقي لا يكتمل بخلو الدم من الفيروس فقط، بل يكتمل حين يسترد الإنسان حقه في الحركة والعمل والحلم.
ويكتمل أكثر حين يشعر بأن دولته التي عالجته تحميه أيضاً من أي عائق إداري قد يعيده إلى نقطة الصفر.
الأمم الكبيرة لا تقاس فقط بما تهزمه من أوبئة، بل بما تضمنه لمواطنيها بعد الانتصار.
ومصر التي أبهرت العالم بالقضاء على فيروس «سي»، قادرة أن تضيف إلى هذا الإنجاز خطوة أكثر إنسانية وعدالة: أن تمنح المتعافين شهادة تقول للعالم كله إن هؤلاء الناس قد شُفوا بالفعل، وإنه لا يجوز أن يظل الماضي الطبي سيفاً مسلطاً على مستقبلهم.
أحياناً، لا يحتاج المواطن من الدولة أكثر من ورقة واحدة… لكنها قد تفتح له أبواب العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك