تثير بعض المقارنات العسكرية التي تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي الكثير من الجدل، إذ من السهل جدًّا صياغة جمل تقيس الحقيقة فقط بـ “حجم الانفجار”، دون النظر إلى المنظومة المتكاملة من الأهداف، والتكنولوجيا، والجغرافيا السياسية.
ويروج البعض لمغالطة “العيار الثقيل” مقابل “المسيرات الخفيفة”، وأن إسرائيل تُستهدف بأسلحة تدميرية بينما يُستهدف الخليج بأسلحة “بسيطة”، وهذا تبسيط مخل للواقع.
نبدأ بتنوع التهديد، إذ إن نوع السلاح يُحدد بناءً على “الهدف” وليس العجز.
ففي الحروب الحديثة، تُستخدم المسيرات الانتحارية وصواريخ “كروز” ليس لضعفها، بل لقدرتها على المناورة وتجاوز الرادارات وضرب أهداف محددة مثل معامل تكرير أو محطات طاقة بدقة متناهية.
ونأتي الآن إلى الكلفة مقابل الفعالية، فالصاروخ الثقيل قد يدمر مبنى سكنيًّا، لكن مسيرة صغيرة “ذكية” قد تخرج منشأة نفطية بمليارات الدولارات عن الخدمة.
ما يعني أن الهدف في الخليج غالبًا ما يكون “اقتصاديًّا استراتيجيًّا”، بينما في سياقات أخرى يكون الهدف “تدميريًّا”.
الأمر الآخر في ذلك هو دقة التوجيه والتطوير التقني، فالادعاء بأن ما يصل للخليج “غير موجه” هو خطأ فادح، والواقع أثبت أن المسيرات والصواريخ التي استهدفت منشآت حيوية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة أظهرت دقة عالية جدًّا في إصابة أهداف محددة من مسافات بعيدة، ما يعني أنها تمتلك أنظمة توجيه متطورة وليست مجرد مقذوفات بدائية.
وهنا نقع في فخ “الرقم لا يهم” و”الكم والكيف”، إذ يرى البعض أن الرقم غير مهم بقدر القدرة التدميرية، في تجاهل واضح لاستراتيجية “الإغراق الصاروخي”.
حتى لو كان الصاروخ صغيرًا، فإن إطلاق المئات منه في وقت واحد يهدف إلى إنهاك منظومات الدفاع الجوي، كما أن القدرة على التدمير لا تعني بالضرورة “هدم حي كامل”؛ فتعطيل توربين كهربائي واحد في مدينة صناعية قد يكون وقعه أقوى اقتصاديًّا وسياسيًّا من تدمير كتلة أسمنتية، وهذا هو المُشاهَد في دول الخليج.
من جانب آخر، يعترض أولئك على جمع عدد الهجمات على الدول الخليجية مجتمعة عند مقارنتها بعددها على إسرائيل، حيث بلغت على الدول الخليجية إلى تاريخ 1 أبريل الجاري 5800 هجمة، في حين بلغت على إسرائيل 1000 هجمة.
مصرين في ذلك على تفريق دول الخليج في عدد الهجمات، بمعنى أن تتم مقارنة إسرائيل مع كل دولة منفردة، في توجه “قديم” من “ذلك البعض” على عدم الاعتراف بمجلس التعاون الخليجي أو الدعوة “المبطنة” من كل “بعض مؤدلج” في كل دولة خليجية للانسحاب من مجلس التعاون، تنفيذا لتوجيهات “الراعي الرسمي” لآيديولوجيا التوسع المذهبي.
إن المقارنة بين مسارح العمليات العسكرية لا تتم بـ “المتر المكعب من الركام”، بل بمدى تحقيق السلاح غرضه السياسي والعسكري.
فالادعاء بأن أسلحة معينة “خفيفة” لمجرد أنها لا تهدم أحياء كاملة هو قراءة قاصرة لحروب القرن الحادي والعشرين، والتي أصبحت تعتمد على “الجراحة الدقيقة” لا “البتر العشوائي”.
ما نراه اليوم هو محاولات للتقليل من شأن التحديات الأمنية في المنطقة أو تضخيمها في مناطق أخرى لأهداف دعائية، والوعي يبدأ من رفض هذه التبسيطات الساذجة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك