حظي المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في كانون الثاني الماضي بترحيبٍ واسع في الأوساط الكردية والسورية عموماً، بوصفه خطوة طال انتظارها لإنهاء عقود من الحرمان القانوني لفئة كبيرة من الكرد السوريين، وقطيعةً واضحة مع سياسات النظام المخلوع، ومع الإرث القومي الإقصائي الذي كرّسه حزب البعث، والقائم على تهميش مكوّنات أساسية في المجتمع السوري.
غير أن هذه الخطوة، التي كان يفترض أن تُشكل مدخلاً لتعزيز الثقة وخطوة نحو بناء عقد اجتماعي جديد، اصطدمت بجدلٍ غير متوقع، عقب رصد استمرار استخدام عبارة" عربي سوري" في استمارات التجنيس داخل بعض المراكز في محافظة الحسكة، وهي عبارة تحمل أبعاداً تتجاوز كونها توصيفاً إدارياً، لتلامس إشكاليات الهوية والانتماء، وتُعيد إلى الواجهة إرثاً قانونياً وبيروقراطياً ارتبط لعقود بسياسات حزب البعث.
وبين من يرى في هذا الاستخدام مجرّد خلل إداري ناتج عن بطء تحديث النماذج الرسمية، ومن يربطه بتوجّهٍ سياسي يعكس استمرار مقاربات سابقة، تتصاعد تساؤلات في الشارع الكردي حول دلالات هذه العبارة، وانعكاساتها على مسار الثقة مع الحكومة.
في هذا التقرير نسلط الضوء على خلفيات هذه الإشكالية، ونفكك أبعادها القانونية والسياسية، ونرصد تداعياتها على العلاقة بين الأكراد والدولة في مرحلة ما بعد النظام المخلوع.
رغم حالة التفاؤل التي رافقت صدور المرسوم الرئاسي رقم 13، وما حمله من آمال لدى الأكراد بإنهاء عقود من الحرمان عبر منحهم الجنسية، إلا أن بعض الممارسات التطبيقية على الأرض بدأت تطرح تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بروحه وأهدافه، بحسب ما يؤكده متابعون للشأن الكردي السوري.
في هذا السياق وثّقت" شبكة ضحايا انعدام الجنسية في الحسكة" ـوهي منصة حقوقية تُعنى بالأكراد الذين حُرموا من الجنسية أو وُلدوا بلا قيد مدني على الأراضي السوريةـ وجود عبارة" عربي سوري" في استمارات التجنيس في بعض المراكز بمحافظة الحسكة، ومنها المراكز المعتمدة في القامشلي، المالكية، الدرباسية، والجوادية.
واعتبرت الشبكة أن هذا الإجراء يُمثّل انتهاكاً لروح وأهداف المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي نصّ على الاعتراف بالكرد كجزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وعلى حماية هويتهم الثقافية واللغوية، وإلغاء آثار السياسات التمييزية المرتبطة بإحصاء عام 1962.
وشددت الشبكة على أن إدراج توصيفات قومية غير دقيقة أو مفروضة يتناقض مع الأساس الذي جاء من أجله المرسوم، ويقوّض هدفه الجوهري المتمثل في إنصاف ضحايا التمييز، لا إعادة إنتاجه بصيغ إدارية جديدة.
كما رأت أن هذه الممارسة تمسّ بشكل مباشر بحق الأفراد في تعريف هويتهم بحرية وكرامة.
من جانبه اعتبر الباحث الكردي شفان إبراهيم أن استخدام هذه العبارة في بعض مراكز التجنيس يُسيء إلى صورة" سوريا الجديدة" التي حلمنا بها جميعاً، وإلى مسار" ثورة الحرية والكرامة" التي شارك فيها الكرد إلى جانب باقي المكونات السورية، وأسهمت في إسقاط نظام البعث.
وأضاف في حديثه لموقع تلفزيون سوريا أن ما يحدث قد يعكس إما محاولات لتفريغ المرسوم من مضمونه، أو استمرار ذهنية إقصائية لدى بعض الموظفين الذين لم يتخلّصوا بعد من تأثيرات الفكر القومي الأحادي المرتبط بحزب البعث، ورفضهم الضمني لفكرة التعدد القومي داخل الدولة.
بين الانتماء إلى الدولة والهوية القوميةمع تصاعد الانتقادات لاستخدام عبارة" عربي سوري" في استمارات التجنيس، برزت الحاجة إلى توضيح رسمي يحدد ما إذا كان ذلك يعكس توجهاً سياسياً أم مجرد ارتباط قانوني باسم الدولة.
ولتوضيح الأمر، تواصل موقع تلفزيون سوريا مع الناطق باسم الفريق الرئاسي المكلف بتنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية" قسد" أحمد الهلالي، وسأله عن أسباب وجود هذه العبارة وكتابتها في بعض مراكز التجنيس، وما إذا كان هناك توجه رسمي في هذا السياق.
حيث وضّح الهلالي الأمر بالقول: " المرسوم 13 لم يلغ اسم الجمهورية، فبقي اسم الجمهورية العربية السورية، والمواطن الذي ينتمي إلى هذه الجمهورية يكون مواطن عربي سوري انتساباً إلى الجمهورية".
وأوضح الهلالي في تصريحه الخاص لموقع تلفزيون سوريا أن" هذا شيء طبيعي، وموجود في الدول التي تحمل طابعاً قومياً مثل تركيا مثلاً، التي تضم مواطنين من أصول عربية وكردية إضافة طبعاً إلى الأتراك، وهؤلاء عندما ينتسبون إلى الجمهورية يقولون عن أنفسهم مواطنون أتراك، وهذا لا يعني نفي قوميته الأساسية، أو الانتقاص منه، إنما يعني الانتساب إلى الدولة التي تحمل هذا الاسم".
وأشار الهلالي إلى أن" المرسوم 13 لم يعدل اسم الجمهورية، إنما أقر واعترف بالحقوق الثقافية للكرد، وبالحقوق السياسية لهم، والأمور المتعلقة ببعض الوزارات مثل التربية والتعليم، والتدريس باللغة الكردية، وغير ذلك من الحقوق الثقافية والسياسية للكرد".
إرث البيروقراطية وخلل القوانين القديمةيرجع بعض المختصين بالقانون وجود أو كتابة عبارة" عربي سوري" في استمارات التجنيس إلى القوانين القديمة التي ما زال العمل بها مستمراً حتى الآن.
وفي هذا السياق يقول الباحث القانوني القاضي محمد حربلية: لا شك أن حزب البعث وعلى مدار عقود ترك إرثاً عميقاً على البنية القانونية والبيروقراطية، ومن ذلك أن الدستور السوري كرس سيطرة الحزب بوضوح حيث اعتبره دستور 1973 الحزب القائد للدولة والمجتمع، كما ألغى التعددية السياسية في البلاد، وحدّ كثيرا من دور المجتمع المدني".
ويضيف حربلية في حديثه لتلفزيون سوريا لذلك جاءت كافة القوانين الخاصة بالنقابات والجمعيات لتؤكد على تبعيتها للحزب وخضوعها لرقابته، كما جرى اتباع مركزية صارمة تهدف إلى تنفيذ مقررات الحزب.
ويشير حربلية إلى أنه على رغم من حل حزب البعث منذ أكثر من عام، فإن التخلص من إرثه يتطلب العمل على بناء نظام مؤسساتي ديمقراطي حقيقي.
من ناحيته يؤكد الناطق باسم الفريق الرئاسي أحمد الهلالي أن البيروقراطية مازالت موجودة في كل الدوائر، ولحد الآن لم نتحرر من القوانين السابقة، وهذه من المسائل المخول بها مجلس الشعب مثل تعديل القوانين وغيرها من المسائل، ووضع دستور دائم للبلاد وغيرها من الترتيبات.
ويضيف الهلالي لكن لحين ذلك الوقت للأسف فإن القوانين القديمة ما زالت سارية بإجراءاتها القديمة، وأحياناً هناك جهات تعمل على تسهيل الإجراءات مثل وزارة الداخلية، وكذلك وزارة العدل اتخذت بعض الإجراءات لتيسير بعض الأمور والقضايا، ولكن إلى الآن ما تزال القوانين القديمة هي السارية حتى يتم تعديلها في المرحلة القريبة القادمة".
التأثير على الثقة بين المكون الكردي والحكومةيشير بعض المتابعين إلى أن تكرار كتابة عبارة" عربي سوري" في استمارات التجنيس قد يزعزع الثقة بين المكون الكردي والحكومة السورية، في وقت حرج يتم فيه العمل على تنفيذ بنود اتفاق 29 كانون الثاني الماضي بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية.
في هذا السياق أشارت شبكة انعدام الجنسية إلى أن استمرار هذا النهج من شأنه أن يقوّض ثقة الضحايا بالعملية الجارية، ويحدّ من إقبالهم على التقديم، ويفتح الباب أمام الطعن في شرعية الإجراءات ونتائجها مستقبلاً.
ودعت الشبكة إلى تصحيح الاستمارات المعتمدة فوراً ودون تأخير، عبر إزالة أي توصيفات مسبقة، وشددت على ضرورة إصدار تعميم إداري واضح وملزم لجميع المراكز، يؤكد على منع فرض أي توصيف قومي، ويلزم الموظفين باعتماد البيانات كما يصرّح بها أصحاب الطلبات دون تعديل أو افتراض.
ويُشار إلى أنه تم تداول مقاطع فيديو تظهر قيام بعض الموظفين بتصحيح هذه العبارة، وشطب كلمة" عربي" والإبقاء على كلمة" سوري" في بعض المراكز بمدينة القامشلي، مؤكدين أن هذه الاستمارات يتم تصحيحها بعد خضوعها لعملية التدقيق.
وحول تأثير كتابة هذه العبارة على سير عملية التجنيس والثقة بين المكون الكردي والحكومة، يرى الباحث الكردي شفان إبراهيم أن ما صدر عن رئيس الجمهورية أمر مريح ويبعث على التفاؤل، والمرسوم 13 يشكل بنية صلبة لاستثمارها بشكل عام، وتطوير العلاقات بين السلطة والمكونات، وخاصة المكون الكردي، لكن إذا استمر موضوع كتابة عبارة" عربي سوري" فأعتقد أن بذور الثقة سوف تتزعزع.
ويشير إبراهيم إلى أنه لا يمكن إعادة سيناريو تعريب القومية الكردية مجدداً، ومن يقوم بهذا العمل عليه أن يدرك جيداً أن سوريا لم تكن حكراً على العرب فقط، أو على الأكراد أو على أي مكون أو قومية معينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك