صورة لرواية" أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة" لستيفن زفايغ تظهر ممزّقة، وفي جوارها نلمح أشلاءً من كتاب" الدولة اللبنانية في مواجهة التحديات الراهنة"، صورتان انتشرتا واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، يبرز فيهما الكتابان من تحت أنقاض إحدى العمارات السكنية التي دمّرتها الصواريخ الإسرائيلية في منطقة تلّة الخياط ببيروت، خلال العملية العدوانية، أول من أمس الأربعاء، والتي استقت اسمها من البلاغة الإبادية" الظلام الأبدي".
يبدو الاسم توصيفاً وامتداداً للعنف نفسه؛ مئة غارة على لبنان كلّه في عشر دقائق، كان نصيب بيروت الأعنف منها.
تحت ركام عمارة تلّة الخياط، حياةٌ كاملة تلخّص واقع بلد: أرواحٌ وكتب، وذاكرة، ويوميات لمدنيّين، لكن من بين من قضى يُطالعنا اسمٌ لشاعرة، إنها خاتون سلمى، التي تبدو في سيرتها ومصرعها تكثيفاً لكلّ ما سبق، ولا نعلم، ربّما تكون هذه الكتب من مكتبتها الخاصة.
جسدها، الذي عُثر عليه مع زوجها تحت الردم، يفتح قراءة لهذا القتل الإسرائيلي المُعلَن أبعد من الفقد الفردي، بل نحو موقع الثقافة اللبنانية نفسها في ظلّ العدوان.
ما كُتب في رثائها يكشف ذلك بوضوح: الحديث في جوهره يمكن تلخيصه بكلمات الشاعر والمسرحي يحيى جابر" الغارة قصّت بمقصها الحادّ شاعرة بلغة عربية رقيقة"، في توصيف لانقطاع مسار كامل أُوقف فجأة.
كتبت مجموعتين شعريتين واهتمّت بحثياً بتجارب المتصوفينالشهادات التي كتبها أصدقاؤها والكتّاب من حولها أعادت وصل حضور خاتون سلمى بديوانيها: " عانقتُ امرأةً تنتظر" و" آخر نزلاء القمر"، الصادرَين عن دار الجديد، كأن الكتابة عادت لتُجاور لحظة غيابها.
يتّخذ الديوان الأول من لوحة موديلياني، امرأة بعينين ممسوحتين، غلافاً له.
وفي إحدى الصور لها، تظهر الشاعرة وهي توقّع عملها في أحد معارض الكتب ببيروت.
في حين عزّت ناشرتُها رشا الأمير" شعراء العدل والسلام، ونابذي المباغض والحروب".
حاولت العربي الجديد التواصل مع الأمير، ولكن واقع الحرب المفتوحة حال دون ذلك، مكتفيةً بإرسال صور لعمارة طالها القصف في سوق الغرب حيث ارتحلت عن دارتها في حارة حريك.
درست الراحلة الأدب العربي في الجامعة الأميركية في بيروت، وبرزت منذ سبعينيات القرن الماضي حين فازت بجائزة شعرية في سنوات الدراسة الثانوية، قبل أن تُعرف لاحقاً في الأوساط الثقافية بقلة إنتاجها وكثافته، وباهتمامها بالدراسات الصوفية والمتصوفين.
هذا المسار، الذي يتّسم بالتركيز والانكفاء النسبي عن الأضواء، يُعاد اليوم إدخاله في دائرة الضوء، ولكن من بوابة الفقد.
في هذا المستوى، لا تختلف صورة كتاب زفايغ الممزّق كثيراً عن صورة مكتبة خاتون سلمى تحت الأنقاض.
كلاهما يكشف كيف تُسحب الثقافة من حيّزها وتُعاد كعلامة داخل عملية القتل العمد.
يبقى الاسم، ويبقى الأثر رغماً عن" الظلام الأبدي".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك