في عام 996 ميلادية، اعتلى أبو علي المنصور بن العزيز بالله عرش الخلافة الفاطمية في مصر، وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، ليُعرف لاحقًا باسم الحاكم بأمر الله.
صغر سنه جعل السلطة في البداية بيد الوصي والمربي برجوان، الذي كان يتحكم في شؤون الدولة.
لكن الحاكم لم يتأخر في تأكيد سلطته، فقرر التخلص من برجوان وأصبح الحاكم المطلق، وهو ما رسّخ بدايات حكمه المليء بالتناقضات والإجراءات غير المتوقعة.
الدولة الفاطمية التي حكمت مصر وشمال إفريقيا وامتدت حتى الشام كانت في ذروة قوتها، وساهمت في ترسيخ القاهرة عاصمة للخلافة، والأزهر كمركز علمي للدولة الفاطمية.
وقد جاء الحاكم في هذه الفترة ليضع بصمته المميزة، بين قرارات تقشفية وغريبة وأخرى إصلاحية ومؤثرة.
عرف الحاكم بأمر الله بسلسلة من القرارات الصارمة وغير المألوفة، منها حظر أطعمة بعينها مثل الملوخية والجرجير، وفرض قيود صارمة على خروج النساء في أوقات معينة.
هذه التغيرات المتكررة أثارت دهشة الناس وجعلت المؤرخين يتساءلون عن دوافعه، بين ما هو ديني وسياسي.
كما عُرف الحاكم بمحبته للموكب الرسمي، حيث كان يسير في الشوارع ويأمر الناس بالسلام عليه ما عزز صورته كحاكم متسلط ومختلف الأطوار.
الخليفة المحب للعلم والعلماءعلى الرغم من غرابة بعض قراراته، كان الحاكم راعيًا للعلم والعلماء.
فقد أنشأ دار الحكمة بالقاهرة، والتي كانت تضم مكتبة ضخمة تحتوي على آلاف المخطوطات في الفقه والفلسفة والطب والفلك والرياضيات، وفتحت أبوابها للعلماء وطلاب العلم مجانًا، مع توفير الرواتب والأدوات، لتصبح واحدة من أعظم المكتبات والمؤسسات العلمية في التاريخ.
كما أصدر الحاكم تشريعات لضمان حقوق النساء، بما في ذلك حقوق الميراث وإدارة الأموال، وهي إجراءات غير مسبوقة لعصره.
هذا يظهر جانبًا من شخصية الحاكم المزدوجة: بين الزهد في حياته الخاصة، والقسوة في حكمه، والإصلاح الاجتماعي في بعض المجالات.
جامع الحاكم بأمر الله العمارة شاهدة على السلطة والدينيعتبر مسجد الحاكم بأمر الله واحدًا من أعظم الشواهد المعمارية في القاهرة الفاطمية، ويعرف أيضًا بـ جامع الأنور وجامع الخطبة، كما أُشير إليه باسم باب الفتوح نسبة إلى موقعه التاريخي عند هذا الباب الشمالي للقاهرة.
يعد المسجد خامس المساجد الجامعية في القاهرة، أي أنه يُقام فيه صلاة الجمعة، وقد شهد الخليفة العزيز بالله أول صلاة جمعة بحضور نحو 3000 مصلي.
بدأ البناء في عام 990م بأمر العزيز بالله، واكتمل عام 1013م في عهد الحاكم بأمر الله، ليكون شاهدًا على الحكم الفاطمي المهيب، واستغرق البناء نحو 23 عامًا.
المسجد يمتد على مساحة 13 ألف متر مربع، ليكون ثاني أكبر مسجد في مصر.
التصميم المعماري الداخلي والخارجيالمسجد مستطيل الشكل، يتوسطه صحن واسع محاط من أربع جهات بأروقة ذات أعمدة وأقواس، ويوجد في الصحن حوض ماء أو نافورة للوضوء، وهي سمة معتادة في المساجد الفاطمية.
في جهة القبلة تقع قاعة الصلاة الكبرى التي تؤهل لإقامة صلاة الجمعة والخطبة لآلاف المصلين.
يتميز المسجد بمئذنتين ضخمتين غير متماثلتين، تُعدان من أندر المآذن الفاطمية، وقد أحيطتا لاحقًا بحماية حجرية للحفاظ عليهما، ما يجعلهما من أبرز معالم العمارة الإسلامية في القاهرة.
المسجد لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل كان مركزًا سياسيًا واجتماعيًا، حيث كانت الخطبة فيه مناسبة لإعلان قرارات الدولة والتواصل مع الشعب.
الترميم الحديث ودور طائفة البهرةعبر العصور، تعرض المسجد لفترات من الإهمال والاستخدامات المختلفة، قبل أن يبدأ مشروع ترميم ضخم بين عامي 2017 و2023 تحت إشراف وزارة السياحة والآثار المصرية.
استمر الترميم نحو 6 سنوات وشمل إعادة تأهيل الجدران، وتنظيف النقوش والزخارف، وتقوية الأخشاب، وتركيب أنظمة حماية وإضاءة حديثة.
شارك في الترميم وتمويله طائفة البهرة الداوودية، وهم طائفة إسماعيلية شيعية ترى في العمارة الفاطمية إرثًا دينيًا وثقافيًا مرتبطًا بمذهبها.
وقد ساهمت الطائفة في الحفاظ على الطابع الفاطمي للمسجد، بالتعاون الكامل مع الإشراف الأثري المصري، ما أعاد للمسجد رونقه التاريخي والديني.
الحاكم بأمر الله والغموض الأبديغادر الحاكم هذا العالم بطريقة غامضة بعد جولاته الليلية في جبل المقطم عام 1021م، حيث اختفى ولم يُعثر على جثته، وظهرت روايات تقول إنه دخل في “غيبة مقدسة” وأنه سيعود في آخر الزمان.
قصصه وسيرته أثرت في تكوين طوائف مومنة به حتى اليوم، وكان لتصرفاته الغريبة والمتناقضة دور في ترسيخ صورته كأحد أغرب الحكام في التاريخ الإسلامي.
يبقى الحاكم بأمر الله شخصية تاريخية مركبة حاكم متقلب الأطوار، ومصلح اجتماعي، وراعي علم، وباني آثار مهيبة.
ومسجد الحاكم بأمر الله شاهد حي على هذا الإرث، جامع صلوات الجمعة، مكان للخطبة، تحفة معمارية، ومركز للسياسة والدين في قلب القاهرة الفاطمية.
الأسماء المختلفة للمسجد – جامع الأنور، جامع الخطبة، باب الفتوح – تعكس تعدد وظائفه التاريخية والدينية، بينما مساحته الهائلة ومئذنته الفريدة تؤكد مكانته كواحد من أعظم المساجد في مصر.
إن المسجد اليوم ليس مجرد مبنى تاريخي، بل مرجع ثقافي وحضاري يعكس قوة الدولة الفاطمية، غرابة شخصية الحاكم بأمر الله، وعظمة العمارة الإسلامية التي صمدت لأكثر من ألف سنة، حتى بعد الترميم الحديث، ليبقى شاهدًا على عبق التاريخ وروح القاهرة القديمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك