بين جدران البيوت الدافئة وأسوار الأديرة الصامتة، تنسج حكاية عيد القيامة خيطين متوازيين من الفرح، أحدهما صاخب بالحياة، والآخر هادئ يغوص فى عمق الروح، حكاية تبدأ من قلب البيت القبطى، حيث تمتزج رائحة الكحك الطازج بصوت الضحكات، ولا تنتهى عند باب الدير، حيث يسكن الصمت وتتكلم الصلوات.
فى تلك الليلة التى تسبق العيد، تبدو البيوت وكأنها تستعد لاستقبال ضيف عزيز طال انتظاره، في أحد هذه البيوت، تتحرك «مارينا سعيد» بخفة بين الغرف، تلتقط فستانها الجديد، وتُعلِّق الزينة البيضاء التى تليق ببهجة القيامة، كل شىء هنا ينبض بالحياة، الأم تراقب الفرن، حيث تنضج آخر دفعات البسكويت، والأب يراجع الوقت بقلق خفيف، خشية التأخر عن قداس ينتظره الجميع بشوق، والأطفال يركضون فى الممرات، يجرّبون أحذيتهم الجديدة، ويتخيلون لحظة دخول الكنيسة وكأنها بوابة إلى فرح أكبر.
الاحتفال داخل أديرة الراهبات: تُضاء الشموع بهدوء وتتعالى الصلوات ويُستقبل العيد بروحانية عميقةومع اقتراب الساعة، تتسارع الخطوات أكثر، كأن الزمن نفسه يركض معهم، فالشوارع تمتلئ بوجوه مضيئة، والجميع يتجه فى اتجاه واحد، إلى الكنيسة، هناك حيث تُطفأ الأنوار فجأة، ويعمّ الظلام لثوانٍ تبدو أطول مما هى عليه، قبل أن تنفجر الألحان، ويُعلن النور حضوره فى مشهد مهيب، لحظة تتداخل فيها الرهبة مع الفرح، ويشعر فيها كل قلب أنه يعبر من الحزن إلى الرجاء.
لكن، وعلى بُعد مسافات قد تبدو بعيدة فى الجغرافيا، وقريبة جداً فى المعنى، تبدأ حكاية أخرى، فى دير الراهبات، لا ضحكات عالية، ولا خطوات متعجلة، كل شىء هنا يسير بإيقاع مختلف، أبطأ، أعمق، وأكثر صفاءً، فمنذ بداية أسبوع الآلام، ارتدى المكان ثوب الحزن، ستائر داكنة، وأضواء خافتة، وألحان تمتد كأنها تنهيدة طويلة فى ليل ممتد، لكن مع اقتراب العيد، يتسلل النور تدريجياً، لا يقتحم المكان، بل يستأذنه فى هدوء.
من رائحة الكحك إلى عبق البخور وجهان لفرحة «مارينا» و«لورا»تُرفع الستائر البيضاء، وتُضاء الشموع واحدة تلو الأخرى، وكأنها قلوب صغيرة تنبض بالنور، لا زحام هنا، ولا ضجيج، فقط حضور داخلى عميق، ينعكس على وجوه الراهبات فى سكون يشبه سكون الصحراء، حيث تمشى الراهبة «لورا» بخطوات ثابتة نحو الكنيسة، يرافقها صوت خافت لثوبها وهو يلامس الأرض، وتسبقها رائحة البخور كأنها إعلان صامت عن بدء الاحتفال.
وفى الوقت نفسه، تنفتح أبواب الكنائس فى المدينة على عالم مختلف تماماً، تتعالى التهانى، وتُلتقط الصور، وتتشابك الأيدى فى مشهد يحتفى بالحياة، تعود «مارينا» وأسرتها إلى المنزل، حيث تنتظرهم مائدة العيد، عامرة بما حُرموا منه طوال 55 يوماً، تمتد الأحاديث، وتتعالى الضحكات، ويجرى الأطفال بين الغرف كأنهم يطاردون الفرح نفسه.
الليل هناك يمتلئ بالحركة، بينما هنا، فى الدير، ينسدل بهدوء، تتناول الراهبات طعاماً بسيطاً، قد لا يتجاوز قطعة من الجبن، ثم تنسحب كل واحدة إلى قلايتها، حيث تستكمل قانونها الروحى، لا صخب، لا زيارات، فقط لحظة صفاء خالصة، تُختتم بها ليلة العيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك