البرج الشمالي- “القدس العربي”: في الوجدان الجنوبي في لبنان، لا يُصنّف جسر القاسمية معلما هندسيا من الخرسانة والحديد فحسب، بل هو “الشريان الأساسي” الذي يغذي جسد المنطقة بفرص البقاء.
ومع كل جولة صراع، تتجه الأنظار نحو هذا الجسر؛ فبسقوطه لا يتهدم ممر بري فحسب، بل تبدأ فصول حكاية “العزلة الكبرى”، حيث يتحول نهر الليطاني من مصدر للحياة والري إلى حاجز طبيعي قسري، ويصبح العبور فوقه حلما يراود المحاصرين خلف ضفافه، في وقت تضيق فيه الجغرافيا وتتسع فجوة المعاناة.
وتأتي الأهمية الاستراتيجية للجسر من كونه نقطة الارتكاز الوحيدة التي تربط قضاء صور بالعمق اللبناني وصولا إلى العاصمة بيروت.
لذا، فإن استهدافه المتكرر في كل عدوان ليس عملا تخريبيا عشوائيا، بل هو قرار عسكري بامتياز يهدف إلى تحقيق “الخنق الممنهج”.
والأربعاء، عادت قوات الاحتلال الإسرائيلي لتقصف هذا الجسر بعد نحو أسبوعين من استهداف أول، لتقطع التواصل بين ضفتي نهر الليطاني في منطقة قضاء صور جنوبي لبنان.
وبهذا سعت آلة الحرب الإسرائيلية إلى شل حركة الإمداد الطبي، ومنع وصول الوقود، وتقطيع الأوصال لتحويل المنطقة إلى “جيب معزول” يسهل الضغط عليه عسكريا ونفسيا، مع حرمان النازحين من حقهم في العودة لتفقد أرزاقهم أو انتشال ما تبقى من ممتلكاتهم تحت الركام.
حصار داخل الحصار: واقع المخيماتولا تتوقف شظايا تدمير الجسر عند حدود البلدات اللبنانية، بل تمتد لتضرب في صلب النسيج الاجتماعي للمنطقة، حيث تقع خلفه 3 مخيمات فلسطينية أساسية: الرشيدية، والبرج الشمالي، والبص.
وهذه المخيمات، التي تعاني أصلا من كثافة سكانية خانقة وبنية تحتية متهالكة نتيجة عقود من اللجوء، تجد نفسها اليوم في حالة “حصار داخل الحصار”.
ومع تدفق نازحي القرى المجاورة إلى هذه المخيمات بحثا عن ملاذ آمن نسبيا، يبرز “انفجار ديموغرافي” يضغط على موارد المياه والكهرباء المحدودة، بالتزامن مع تعطل الإغاثة الدولية.
فالمخيمات تعتمد بشكل حيوي على خدمات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وبخروج الجسر عن الخدمة، توقفت قوافل المساعدات الغذائية واللوجستية.
وفي حديث مع “القدس العربي”، ينقل الصيدلي أبو إبراهيم جمّال، أحد سكان هذه المخيمات، واقع الحال بمرارة قائلا: “الأونروا منذ بداية الحرب كانت تعمل يوما واحدا حسب الوضع الأمني، فكيف الآن وقد فُصل الجنوب تماما؟ إننا ننتظر توقف جميع الخدمات الإغاثية والطبية، وما نملكه من مخزون لن يصمد طويلا أمام الاحتياجات المتزايدة”.
وهذه العزلة القسرية خلّفت واقعا اقتصاديا وطبيا مريرا؛ فقد باتت الصيدليات والمستوصفات تواجه خطر النفاد التام لأدوية الأمراض المزمنة وحليب الأطفال.
ويقول أبو إبراهيم جمّال: “قبل قصف الجسر كنا نخاطر ونؤمن بعض الأدوية كل أسبوع من صيدا، أما الآن فقد انقطعت السبل تمامًا، وأصبح تأمين حبة الدواء معركة يومية للبقاء، تضاهي في صعوبتها خطر القصف نفسه”.
وعلى المقلب الآخر، بدأت ملامح “اقتصاد الحرب” بالظهور بشكل متوحش، حيث يرتفع الطلب على السلع الأساسية وتتضاعف أسعارها بشكل جنوني نتيجة احتكار القلة أو صعوبة النقل عبر طرق فرعية وعرة وغير آمنة.
ويصف التاجر الفلسطيني ياسين نوح هذا التدهور بقوله لـ”القدس العربي”: “السلع يرتفع سعرها من ساعة إلى أخرى، ما يضيق الحال على رب الأسرة الذي يعيش أصلا بلا عمل منذ بدء التصعيد.
نحن نتحدث عن عائلات باتت تقتصد في وجباتها اليومية لتصمد لفترة أطول”.
ويضيف: “هناك أناس استغلاليون في كل شيء”.
مثلًا اليوم، في الصباح، ابتعنا كيس البطاطا بخمسمئة ألف ليرة، وبعد ساعة صار بستمئة ألف، وبعد ساعة صار بسبعمئة ألف، وبعدها بساعة صار بسبعمئة وخمسين، وبعد ساعة صار بثمانمئة”.
ويستطرد: “الآن هذه تصبح لعبة تجار، لكن هناك أناسا لا ضمير عندهم أكيد، وهذا موجود في أي منحى من مناحي الحياة.
هناك أناس جيدون، وهناك أناس لديهم القصص نفسها”.
ولا تكتمل صورة النكبة إلا في حقول الجنوب، وتحديدا في منطقة القاسمية التي تُعرف بكونها “سلة الموز والحمضيات” للبنان.
هنا، لا يسقط الحجر وحده، بل تموت الشجر أيضا.
آلاف الأطنان من المحاصيل مهددة بالتلف لعدم القدرة على شحنها إلى الأسواق الخارجية أو حتى المحلية في الشمال، ما يضرب الدورة الاقتصادية لآلاف العائلات التي تعتمد على الموسم مصدر دخل وحيد.
والمزارع الذي قضى عامه في العناية بأرضه، يقف اليوم عاجزا أمام “جسر” لا يمكن عبوره، يشاهد تعبه يذبل تحت أشعة الشمس.
ورغم سوداوية المشهد وتراكم الركام، يظل جسر القاسمية في الذاكرة الشعبية رمزا للصراع بين إرادة البقاء وسياسة الحصار.
فالتاريخ يخبرنا أن هذا الجسر الذي سقط مرارًا في عامي 1978 و2006، كان يعود دائمًا ليربط القلوب قبل الطرقات.
ويقول ياسين نوح: “نحن متعودون على الاحتلال الإسرائيلي، هذا ليس جديدا علينا.
أنا أتذكر في عام 1982، في الاجتياح، حصل الأمر نفسه، قطعوا الطريق إلى صور كلها، ولم يعد هناك تواصل بالمرة مع صيدا والزهراني وهكذا”.
ويتذكر: “كنا ننزل في قلب الماء، وكنا نحضر التموين وكل شيء”، في إشارة إلى قطع السكان النهر لجلب التموين والإمدادات.
التلاحم اللبناني – الفلسطينيوفي هذه اللحظات الحرجة، يتجلى التلاحم اللبناني الفلسطيني بأبهى صوره، حيث يتقاسم ابن المخيم وابن القرية رغيف الخبز المفقود، وتصبح المعاناة العابرة للجنسيات هي العنوان الأبرز للصمود.
فالجسر الذي قطعه الركام اليوم، ترممه روابط الأرض والدم والمصير المشترك، ليبقى الجنوب، رغم العزلة، قلبًا نابضًا يرفض الانكسار، ويبقى “الشريان” ينبض بالحياة بانتظار اللحظة التي تعود فيها الأوصال لتتصل من جديد، معلنة فشل سياسة “الخنق” أمام إرادة شعب يقدس الحياة فوق أرضه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك