عندما أصادف زميلا من دولة عربية، يحلو له سؤالي عن معنى كلمة بالفرنسية، أو معنى جملة سمع عنها أو قرأها.
يريد المقصود منها وكيف تُنطق في لغتها الأم، كما قد يسألني عن كتاب صدر في باريس، أو عن فيلم.
يلتمس رأيي في كاتب بالفرنسية أو مخرج مسرحي، يكلمني عما يحدث في الفرنسية أكثر من كلامه عما يحدث بالعربية في بلدي.
وأتفهم سلوكه نحوي، لأن الانطباع السائد أن الجزائر بلاد فرنكفونية، أنها تعلي من شأن الفرنسية، رغم كل خلافاتها مع فرنسا.
فقد ساد اعتقاد بأن الجزائر بلد ينطق بالفرنسية أكثر مما ينطق بالعربية، أنه بلد حريص على لسان باريس أكثر من حرصه على لسان عبد الحميد بن هدوقة.
وإنهم محقون في هذا الطرح.
لأن هذه المعاينة لها أسباب.
لأن الساحة الثقافية في البلد تسود فيها الفرنسية أكثر مما تسود فيها العربية.
فعندما يرى مواطن كبار المسؤولين يتحدثون، في التلفزيون، بالفرنسية ويرى كذلك الوزير ومسؤولا آخر في الدولة ينطقون بالفرنسية أفضل من الفرنسيين أنفسهم، فلا بد أن يظن أن الشعب يفهم هذا اللغة.
بحكم أن الوزير أو المسؤول الكبير يتوجهان في كلامهما إلى متلقين بهذه اللغة.
عندما نرى الصحف الناطقة بالعربية، في الجزائر، وهي تفرد مقالات مطولة عن كتاب صدر بالفرنسية، ثم تتجاهل كتابا آخر صدر بالعربية، فذلك يعني مرة أخرى أن الجزائر بيئة حاضنة للثقافة الفرنسية.
عندما نرى الأفلام التي نجحت في الخارج، والتي يفترض أن تصور الواقع وما يحصل في الداخل، لكنها تنطق بالفرنسية كذلك، فذلك يعني أن الجزائر تعد ميدانا فرنكفونيا.
من حق مثقف من المشرق العربي أن يسأل عن الفرنسية أكثر من سؤاله عن شؤون العربية، عندما يقابل مثقفا من الجزائر، فقد روجت البلاد صورة لها في الخارج، وهي صورة ثقافية، يطغى عليها المكون الفرنسي، ويتوارى فيها المكون العربي في خجل.
والكاتب الجزائري الجيد، لا بد أن يكتب بالفرنسية، هكذا ساد في مخيلة البعض وهكذا يظنون.
وكذلك الحال في الإعلام، عندما نشاهد التلفزيونات المحلية، نستغرب اللغة التي يتكلم بها الصحافيون والمذيعون، إنهم يرطنون بفرنسية مترجمة إلى العربية، وكان بوسعهم أن يبذلوا جهدا في نطق كلامهم بعربية سليمة، لكنهم تعودوا أن المشاهد يفهم كلامهم، بالتالي نلاحظ أنهم يمعنون في جمل وكلمات مترجمة من الفرنسية، بدل أن يبحثوا عن نظير لها في العربية الفصحى.
يتكلمون لغة عربية هجيبة.
ومن المنطقي أن مشاهدا من المشرق العربي سوف يتعذر عليه أن يفهم كلامهم بسهولة.
وعندما نزور المكتبات القليلة، التي توجد في عاصمة البلاد، فسوف نصادف كتبا بالفرنسية على الواجهة، بينما من يبحث عن كتاب بالعربية، فعليه أن يلج إلى الداخل ويسأل عنه، لأن تلك المكتبات تتوجه إلى قارئ باللغة الفرنسية لا قارئ بلغة عربية.
وفي وسط هذا الجو من التململ اللساني، يجد الكاتب الجزائري باللغة العربية نفسه معزولا، يعيش مجهولا في بلده.
فهو يكتب بلغة عربية تلقت ضربات بالمطارق، لم تتمكن من تسلق الواجهة، وظلت في مركز ثانٍ.
يجد الكاتب الجزائري باللغة العربية نفسه غريبا في بلده، يكتب بلغة الجزائر، لكن الجزائر تفضل الفرنسية على العربية.
وعلى الرغم من الخطابات، التي نسمعها في كل حين، عن دعم العربية، فإن الواقع يتيح صورة مغايرة، والمقياس هو الواقع لا كلام البلاتوهات، ولا ما ينطق به الساسة، هذا الواقع يخبرنا أن الكتابة بالعربية في الجزائر مشقة، وهي مشقة لا بد من تحملها.
هذا الواقع يخبرنا كذلك أن الكاتب بالعربية في الجزائر لا بلد له، لأن بلده لا ينظر إليه كاتبا بأتم الكلمة إلا إذا كتب بالفرنسية.
إذا انتقلنا إلى فرنسا، فإن نظرتهم إلى المثقف الجزائري باللغة العربية تنقلب إلى النقيض، إنهم شغوفون بمعرفة ماذا يُكتب بالعربية، ماذا يكتب الجزائريون وماذا يقرؤون.
صحيح أن هناك عددا معتبرا من كتاب جزائريين فرنكفونيين، يكتبون مباشرة بالفرنسية وينشرون في باريس، لكن الفرنسيين يودون الاطلاع عما يحصل في الضفة الأخرى، عما يصدر من أعمال بلغة عربية.
هناك حاجز اللغة الذي يُصعب اطلاعهم على هذا الأدب، لكنهم لا يكفون في السؤال وفي الفضول.
كان بوسعهم أن يكتفوا بما يصلهم من أدب جزائري بلغة فرنسية، لكنهم يعلمون أن ما يكتب عن الجزائر بالعربية هو أمر آخر، وأن الفرق بين جزائريين اثنين، أحدهما يكتب بالفرنسية والآخر بالعربية هو فرق في المخيلة، إنهما من بلد واحد، ويكتبون عن تاريخ واحد، لكن نظرتهما للأشياء مختلفة.
وهذا الاختلاف في المخيلة يصنع فرقا بين الأدبين.
فمن يكتب بالعربية ليس كمن يكتب بالفرنسية، وإن تشابهت المواضيع.
ففي فرنسا يشعر الكاتب الجزائري باللغة العربية بأن له شأنا، له مكانة، بأن هناك من يهتم بحاله، بأن الناس حريصون على سماع صوته أكثر مما يفعل الناس في بلده الأصلي.
ففي فرنسا لا يسأله أحد لماذا يكتب بالعربية بدل الفرنسية، بل يسألونه عما يكتب بالتحديد، عن خططه في الكتابة، عن نظرته للأدب ونظرته للعالم.
في فرنسا يحس هذا الكاتب بوجوده.
يبدو أن فرنسا أكثر حرصا على الأدب الجزائري باللغة العربية، عكس ما نراه في مكان آخر.
فالناس هناك يحاسبون الكاتب عما يكتب، لا عن موقفه أو وجهات نظره في السياسة، يعاملونه ككاتب فحسب.
يشعر فيها بالاحترام الذي يستحقه الأدب.
هذه الحالة من الفصام التي يعيش فيها الأدب العربي في الجزائر، تجعل السؤال مشروعا: أنت كاتب جزائري باللغة العربية، فإلى أي فضاء تنتمي؟ لا بد أن الانتماء الأسمى هو إلى بلاد الأدب.
لأن في الجزائر الكاتب يعلو شأنه أو يدنو حسب اللغة التي يكتب بها، لا حسب ما يفيد به الأدب ولا حسب نظرته للعملية الإبداعية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك