كأنها مسبحة انتظمت بشكل جمالي ملفت، تداخلت حباتها في نضيض خيط ملمسي، عالقة بحس شاعري يرسم علاقته بما حوله من ارض وإنسان وبلغة عالية سليمة من الأخطاء النحوية والمثالب اللفظية، مما جعل منها بيتًا أليفًا لساكنيه ومشاعر فياضة بالأحاسيس والمشاعر النبيلة التي استوطنت المكان وحركت في قلوب ساكنيه رواكد الألم والفرح والشوق، دون الخروج عن ذاكرة الأرض التي هي مصدر حراكهم.
هكذا هي رسالة هذه المجموعة القصصية التي أبدع في نسجها النصر، والتي من خلال هذه القراءة سيتضح مدى قدرة النصر على رسم ومعالجة ابعاد ما طرح من قصص المجموعة البالغة 18 قصة قصيرة.
في مجموعته القصصية «الأحساء: خفايا الروج»، يقدّم القاص عبد الله النصر عملًا أدبيًا يتجاوز حدود السرد الواقعي ليغدو رحلةً في طبقات المكان، والزمان، والذاكرة والخيال.
فهذه المجموعة المكوّنة من ثماني عشرة قصة ليست مجرد لوحات عن الريف الإحسائي، بل هي محاولة لاستنطاق الأرض بوصفها كائنًا حيًا، ولتفكيك علاقة الإنسان بالبيئة التي شكّلته وشكّلته هي بدورها ضمن علاقة روحية وفترة زمنية بها من الواقع ما تجاوز فنتازيا الحلم الذي أراد ايصاله النصر للقارئ.
ومن أول وهلة يشي النص بعلاقته بالخفاء والعمق.
فكلمة «خفايا» تحيل إلى الباطن والمستور إلى بعد أكبر مما هو حاصل في الواقع أو في الرؤية الحالمة في محيط مدارها.
أما «الروج» فتوحي بطبقة من الأرض أو بجذرٍ جغرافيٍّ غامض يرمز إلى عمق الروح.
هكذا، يتأسس العنوان كعتبة رمزية تقود القارئ إلى عالم تتقاطع فيه الواقعة اليومية مع الماورائية، والحقيقة مع الحلم.
يكتب عبد الله النصر بلغةٍ تجمع بين البساطة الشعبية والشفافية الشعرية؛ لغة تستعير من لهجة الريف صدقها، ومن المخيلة العربية دفئها.
في قصصه، نلمح رجال النخيل ونسوة الماء ووجوه الفلاحين الذين يسكنهم الحنين إلى مواسم مضت، كما نسمع خرير العيون القديمة وأصداء الطين وهو يحاور الزمن.
ومع ذلك، لا يقع الكاتب في فخّ التوثيق المحلي؛ بل يتجاوز المكان ليجعل من الأحساء رمزًا للإنسان في صراعه الأبدي بين البقاء والتحوّل.
فنرى النصر في مجموعته يمزج بين الواقعية والفنتازيا بطريقة تمنح القصص بعدًا أسطوريًا دون أن تفقد صدقها الإنساني.
فالأرض في نصوصه ليست مجرد خلفية، بل هي شخصية فاعلة، تشهد وتبوح وتغضب.
تتجلى فيها روح المكان كمصدر للحكمة والذاكرة، وكأن القاص يستحضر من تراب الأحساء أرواح أجيال مضت لتتحدث بلسان الحاضر.
وفق النصر في ربط علاقته النفسية بما استحضره عبر قصص المجموعة في ربط كل الأحداث والشخوص والمكان عبر التداخل بين الواقعي والغرائبي، حيث منح المجموعة نَفَس الحكاية الشعبية الحديثة لكنها ليست على لسان الجدات أو الجدود، بل بأطر ذات نفس عاشقة للحداثة ومستلهمة واقعها من خلال تقاربه بالأجيال القديمة والجديدة بمزج عالي التقنية والبعد الفلسفي الإنساني الذي لا يمكن الخروج عن اطار احداثها دون أن تؤكد لنا إن النصر حرك الجميع عبر مسبحته الدقيقة في التقاط اصعب ما للمخيلة تفجيرها، حيث يتحوّل الفلاح إلى حكيم، والنخلة إلى أمّ، والعيون إلى مرايا للروح.
وفي المستوى البنائي الذي نهجه النصر نرى تنوّع القصص بين السرد الخطي والومضة، لكنها تتشارك إيقاعًا داخليًا واحدًا قوامه الحنين والمقاومة والصبر وتفجير المشاعر عبر حكايات صغيرة لكنها ملفتة ومضحكة أحيانا كما في قصة «قيصرية الأرواح» صفحة«23».
وفي رسم النصر لشخصيات المجموعة، نرى الشخصيات بما تحمل من حنين فهي بين تقلبات نفسية بينها الفرحة والمهزومة والعاشقة والطريفة عبر تحولها السوسيولوجي: تحاول أن تتشبّث بجذورها في وجه زحف المدينة والعصر.
وهنا يتبدى الهاجس الإنساني الأكبر للمجموعة: كيف يحافظ الإنسان على روحه حين تُستبدل الأرض بالإسفلت، والذاكرة بالزمن الصناعي؟تتميّز المجموعة كذلك بقدرة النصر على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رموز كبيرة.
مشهد طفل يلعب بالطين، أو امرأة تسقي نخلة عجوز، أو فلاح يحدّق في بئر جافة، أو رجل مسن يبيع في بقالة أو طفل يمرح في بقايا الطين ويشكله بما هو يراها، جالب لنفسه الفرح — كلها مشاهد تُكتب ببساطة، لكنها تفيض بالمعنى الوجودي.
وكأن الكاتب يقول: إن الإنسان حين يبتعد عن أرضه، يفقد شيئًا من معنى وجوده.
من الناحية الفنية، يتبدّى أثر التجريب اللغوي في بعض القصص التي تقترب من الشعر النثري، بينما يظل السرد مخلصًا لجوهر الحكاية.
هذه الازدواجية تمنح العمل نكهة خاصة؛ فهو لا يسعى إلى الإبهار اللغوي بقدر ما يسعى إلى استنطاق العمق الإنساني للمكان.
دون أن يتكلف النصر صنعة الكتابة السردية، فهو الذي خبرها ببعدها الفني، متجاوزًا كل المطبات، عبر لغة تجريبية لكنها صادقة وفاعلة ضمن حكاية الزمن السريع في عالمنا المؤلم والمخيف.
خفايا الروح وثيقة وجدانيةفي النهاية، يمكن القول إن «الأحساء: خفايا الروج» ليست مجرد مجموعة قصصية، بل وثيقة وجدانية عن علاقة الإنسان بالمكان، وعن صراع الريف مع العاصفة الحديثة.
إنها كتابة تنبع من الأرض، لكنها لا تغرق في ترابها، بل ترفعها إلى مستوى الرمز.
ينجح عبد الله النصر في أن يجعل من الأحساء حكاية كونية صغيرة، ومن الإنسان الريفي مرآةً للوجود نفسه: بسيطًا في ظاهره، عميقًا في جذوره، متشبثًا بما تبقّى من ظلّ النخيل وصوت الماء ودفء الطين واكرة الجدود والجدات، دون أن نغرق في عالم الضجيج الذي يقتل بداخلنا كل ما هو جميل ومثير لمشاعرنا التي لو لم نكن على قصبها واقفين بصبر لماتت كل مشاعرنا الإنسانية وانحرفنا بانحراف عالمنا اللاهث نحو ظلال الأشياء وموتها بطيئًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك