هذا الخطر لم يكن مفاجئًا، حيث لطالما اعتُبِرَ مضيق هرمز" نقطة اختناق استراتيجية" منذ الحرب العراقية- الإيرانية، لكن بغداد فشلت في تفعيل البدائل، وعلى رأسها خط أنابيب العراق- تركيا المار عبر إقليم كردستان؛ بسبب الخلافات المزمنة بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة الإقليم في أربيل حول تقاسم العائدات وإدارة الموارد.
غير أن اتفاقًا بوساطة أمريكية في 17 مارس الماضي سمح باستئناف تصدير محدود من كركوك بنحو 170 ألف برميل يوميًا، ما أكد أن أمن الطاقة في العراق يعتمد على التوافق السياسي بقدر اعتماده على البنية التحتية.
أهمية هذا الخط كانت قد ظهرت سابقًا خلال توترات إقليمية سابقة، إلا أن الاتفاقات بين بغداد وأربيل ظلت مؤقتة ولم تتحول إلى تنسيق استراتيجي حقيقي، بسبب انعدام الثقة المتبادل، كما حال ضعف الاستثمار في البنية التحتية دون نقل كميات كبيرة من الجنوب إلى الشمال، ما حد من قدرة العراق على تعويض صادراته المتوقفة.
التحديات الأمنية فاقمت الأزمة، حيث تعرضت حقول النفط في كردستان لهجمات من جماعات مسلحة مدعومة من إيران، ما أدى إلى خفض الإنتاج الكردي بأكثر من 200 ألف برميل يوميًا، وهي كميات كان يمكن أن تخفف من حدة الأزمة، كذلك، فإن عجز الحكومة عن ردع هذه الهجمات أضعف ثقة المستثمرين الدوليين ورفع المخاطر على الشركات الأجنبية العاملة في القطاع النفطي.
حكومة إقليم كردستان بدورها أضاعت فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي، حيث تعاملت مع الأزمة بشكل تكتيكي لتحقيق مكاسب قصيرة الأجل؛ ما أثار استياء بغداد وعزز سردية القوى الموالية لإيران.
ولم ينحاز التدخل الأمريكي بالكامل للأكراد، بل ركز على استقرار صادرات النفط العراقية والأسواق العالمية.
وفيما يتعلق بالمستقبل، ما تزال الخلافات الجوهرية حول قانون النفط والغاز في العراق دون حل، رغم الدعوات المتكررة لإقراره، وتبقى الوساطة الأمريكية العامل الحاسم في دفع الطرفين نحو حلول عملية.
كل هذا يأتي وسط تعقيدات المشهد السياسي والأمني، مع تصاعد النفوذ الإيراني واحتمالات فرض عقوبات أمريكية؛ ما يزيد من هشاشة الاقتصاد العراقي المعتمد على النفط.
وسيظل العراق ساحة تنافس بين الولايات المتحدة وإيران في مرحلة ما بعد الصراع، وتزداد ضرورة استمرار الدور الأمريكي للحفاظ على الاستقرار ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من النفوذ الإيراني، خاصةً في ظل اهتمام شركات كبرى" مثل شيفرون وإكسون موبيل"، بالاستثمار في قطاع الطاقة العراقي؛ ما يمنح واشنطن فرصة لدمج أهدافها الاقتصادية والجيوسياسية في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك