كانت سامية جالسة على المقعد الخشبي في ممر محكمة الأسرة، وسط وجوه متعبة لنساء يحملن نفس الثقل، لكن لكل واحدة حكايتها الخاصة، وعيناها كانتا شاردتين، تراقب الأرض أكثر مما ترى من حولها، وكأنها تحاول الهرب من زحام الأفكار داخلها، ويداها متشابكتان بقوة، وكأنها تتشبث بما تبقى من ثباتها.
الأصوات من حولها كانت تتداخل همسات خافتة، بكاء طفل في طرف الممر، وأحاديث متقطعة عن قضايا وخلافات، لكنها بدت بعيدة عنها، كأنها لا تنتمي لهذا المشهد، جسدها حاضر، أما عقلها فكان يقطع رحلة طويلة إلى الماضي، يستعيد تفاصيل سنوات امتدت ثم انتهت بها إلى هذا المكان، ملامحها اتسمت بهدوء غريب، ذلك الهدوء الذي يأتي بعد إرهاق طويل، لا بعد طمأنينة.
قصة حب بدأت بحلم بسيط وانتهت بطلب خلعلم تكن منهارة ولا متماسكة تمامًا، بل كانت في منطقة بين الاثنين، إذ استنزفت كل محاولات الصبر، ولم يتبقَ سوى قرار لا رجعة فيه، ارتدت ملابس بسيطة، خالية من أي مظهر لافت، كأنها اختارت أن تتوارى وسط الزحام، لا أن ترى، رفعت بصرها للحظة تتأمل من حولها، فرأت نساء يشبهنها، كل واحدة تحمل وجعها بطريقتها.
شعرت أنها ليست وحدها، لكن ألمها ظل خاصًا بها وحدها عدَّلت حجابها بهدوء، وأخذت نفسًا عميقًا، وهي تنتظر أن ينادى اسمها، مدركة أن هذه اللحظة ليست نهاية فحسب، بل بداية لحياة لم تكن تتخيَّل يومًا أنها ستخوضها، إذ روّت لـ«الوطن» قصتها التي لجأت إلى محكمة الأسرة من أجلها.
لم تكن «سامية.
أ»، صاحبة الـ31 عامًا، تتخيل يومًا أن الحياة التي بدأت بحلم بسيط وبيت دافئ ستنتهي بها إلى أبواب محكمة الأسرة، تبحث فقط عن كرامتها، فقبل 12 عامًا كانت فتاة صغيرة، هادئة الطباع تؤمن بأن الزواج شراكة عمر لا ساحة معارك، وتعرفت على زوجها الحالي عن طريق العائلة، شاب بدا في البداية طموحًا ولبقًا، يجيد الكلام ويعرف كيف يكسب القلوب بسرعة ولم يطل وقت الخطوبة كثيرًا، فكل شيء كان يبدو مثاليًا، وتم الزواج وسط فرحة كبيرة.
ففي السنوات الأولى، كانت الحياة بينهما مستقرة إلى حد كبير، أنجبت طفلها الأول بعد عامين، ثم طفلتها الثانية بعد ذلك بثلاث سنوات، وانشغلت بتربية الأطفال، وتركت عملها بطلب منه، بحجة أن البيت والأولاد أولى، لم تعترض، فقد كانت ترى أن التضحية جزء من الحب.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تفاصيل صغيرة تزعجها وغياب طويل دون مبرر، مكالمات يخفض صوته عند الرد عليها، وانشغال دائم بهاتفه، كانت تشعر بشيء غير مريح، لكنها كانت تقنع نفسها أنه ضغط العمل لم تكن تريد أن تهدم بيتها بشكوك، فالأمر لم يكن مجرد إحساس في إحدى الليالي، ترك هاتفه على الطاولة ودخل للاستحمام، لم تكن من النوع الذي يفتش، لكنها لم تستطع مقاومة فضولها هذه المرة، فتحت الهاتف، لتجد رسائل صادمة، كلمات حب لا يمكن أن تقال إلا لامرأة أخرى، على حد حديثها.
شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها، عندما واجهته، أنكر في البداية، ثم قلب الطاولة عليها، واتهمها بالشك الزائد، وأنها تهدم بيتها بيديها مرت الأيام، وتكررت المواقف وكل مرة كانت تكتشف شيئًا جديدًا، وكل مرة كان ينكر أو يبرر وكانت تعيش بين تصديق وكذب، بين رغبتها في الحفاظ على أسرتها وخوفها من الحقيقة لم يكن الأمر خيانة عابرة، بل نمط حياة.
ثم بدأت مرحلة السفر كان يسافر كثيرًا بحجة العمل، أحيانًا دون ترتيب مسبق، وأحيانًا دون حتى أن يخبرها كانت تعرف بسفره من الآخرين أو من غيابه المفاجئ ومع كل سفر، كانت تعود الشكوك أقوى، ففي المرة الأخيرة، اختفى فجأة وحاولت الاتصال به، لكنه لم يرد بعد يومين، أرسل رسالة مقتضبة يخبرها أنه سافر ولم يحدد إلى أين، ولا متى سيعود فهذه المرة، لم تستطع الصمت وبدأت تبحث وتسأل، حتى وصلت إلى الحقيقة التي كسرت ما تبقى داخلها، على حد روايتها.
اكتشفت أنه على علاقة بامرأة أخرى منذ فترة، وأنه سافر إليها، لم تكتفِ بالشك بل حصلت على أدلة واضحة وعندما عاد للرد على اتصالاتها، واجهته بكل شيء ولم ينكر هذه المرة بل قالها ببرود «أنا اخترتها وهتجوزها»، تجمدت الكلمات في حلقها، لم يكن الألم فقط في الخيانة، بل في طريقته، في اختياره الواضح، في إهانته لها بعد كل هذه السنوات، فسألته: «وأنا وولادك؟ » فرد بلا مبالاة: «إنتي حرة لو مش عاجبك الوضع».
كانت هذه اللحظة الفاصلة، لم تبكِ كما توقعت، بل شعرت بشيء أقرب للفراغ وبعد ساعات من التفكير، قررت أن هذه الحياة لم تعد تحتمل لم تعد القضية زواجًا يمكن إصلاحه، بل كرامة تسلب يومًا بعد يوم، فتوجهت إلى محكمة الأسرة بزنانيري، وقررت إقامة دعوى خلع برقم 4526 لم يكن القرار سهلًا، لكنها رأت فيه مخرجها الأخير، لم تنتظر عودته من السفر، بل أعلنت بالدعوى رسميًا.
عندما علم بالأمر، لم يحاول الإصلاح على العكس، اتصل بها غاضبًا، واتهمها بأنها تخرب البيت، ثم قال جملة لم تستطع نسيانها: «سيبي البيت وامشي والعيال هيفضلوا معايا ومراتي الجديدة هي اللي هتربيهم»، على حد وصفها، إذ كانت تلك الجملة كفيلة بإشعال كل ما بداخلها، ولم تعد المسألة مجرد خلع، بل معركة على أولادها أيضًا رفضت تمامًا، وأصرت على حقها في حضانتهم.
الزوجة مصرة على الخلع لهذا السبببدأت جلسات التسوية في الجلسة الأولى، جلست «سامية» هادئة، تروي ما حدث بالتفصيل وتحدثت عن سنوات الزواج، عن الخيانات المتكررة، عن السفر دون علمها، وعن قراره بالزواج من أخرى، وكان واضحًا أنها لم تأتِ بدافع انتقام، بل لإنهاء معاناة أما هو، فكان مختلفًا تمامًا حضر بثقة زائدة، وقلل من كلامها وادعى أنها مقصرة وأنها السبب في ابتعاده، وحاول الخبراء تقريب وجهات النظر، لكنه فشل، وكانت «سامية» واضحة «مش عايزة أكمل».
في الجلسة الثانية، حاول الضغط عليها بطريقة مختلفة، عرض أن تبقى زوجته، مقابل أن تقبل بزواجه من الأخرى قالت بهدوء: «أنا مش ضد الشرع أنا ضد الإهانة» وتمسكت بطلب الخلع، أما في الجلسة الثالثة فتصاعد التوتر وكرر تهديده بأخذ الأطفال، وأكد أنه قادر على ذلك لكنها قدمت ما يثبت استقرارها مع الأطفال، ورعايتها لهم، بينما كان هو دائم السفر والانشغال، وانتهت جلسات التسوية بالفشل، وقررت إحالة الدعوى للمحكمة وفي دعوى الخلع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك