جلست نيرة على أحد المقاعد الخشبية في ردهة محكمة الأسرة، تضم يديها في حجرها كأنها تحاول أن تخفي ارتعاشهما، وكانت تبدو أصغر من سنها، عروسًا لم يمر على زواجها سوى أسابيع، لكن ملامحها حملت من التعب ما يكفي لسنوات، وحولها نساء أكبر منها بكثير، وجوه أنهكها الزمن والتجارب، يتبادلن الحكايات وكأن الألم أصبح لغة مشتركة بينهن، وكانت نظراتهن تتجه إليها بين الحين والآخر، فضول ممزوج بشفقة، حتى اقتربت إحداهن وسألتها بصوت خافت: «مالك يا بنتي؟ »، فما قصتها؟لم تجد نيرة.
م صاحبة الـ23 عامًا إجابة سهلة، تلعثمت الكلمات في حلقها، واكتفت بابتسامة باهتة لا تشبهها، وتوالت الأسئلة من أكثر من اتجاه، وكل سؤال كان كأنه يضغط على جرح لم يلتئم بعد، بينما كانت هي تجلس في المنتصف، تحاول أن تستوعب كيف انتقلت في شهور قليلة من فستان الزفاف إلى مقعد الانتظار في محكمة، بين قصص لم تتخيل يومًا أن تكون واحدة منها، إذ حكت لـ «الوطن» ما جعلها تعاني وذبلت بسببه زهرة شبابها.
الزوج كان مثالي بشكل مبالغبدأت الحكاية بشكل بسيط، أقرب لما يشبه قصص الحب الهادئة التي تولد في المساحات الآمنة بين العائلات.
تعرّفت نيرة عليه في مناسبة عائلية، كان شابًا هادئ الملامح، قليل الكلام، لكنه حين يتحدث يختار كلماته بعناية تشعر من أمامه بالأمان، ولفت نظرها بأسلوبه الرزين، وباهتمامه الزائد بالتفاصيل الصغيرة، كأنه يقرأ ما بداخلها قبل أن تنطق به.
تكررت اللقاءات وتحولت النظرات إلى أحاديث قصيرة، ثم إلى مكالمات طويلة امتدت لساعات الليل.
كان يُغرقها بالوعود، يعدها بحياة مستقرة، بيت هادئ، ورجل لا يشبه الآخرين، كانت تسمع منه ما كانت تحتاج لسماعه، خصوصًا بعد تجارب عاطفية غير مكتملة جعلتها تبحث عن الاستقرار أكثر من أي شيء آخر، لم يتأخر في التقدم لخطبتها وافقت عائلتها بعد بعض التحفظات، خاصة أن بعض الأقارب أشاروا إلى غموض في شخصيته، لكنه كان يجيد تبرير كل شيء، وقال إن انطوائيته تفسر على أنها غموض، وإن قلة أصدقائه دليل على تركيزه في حياته، واقتنعت نيرة أو ربما أرادت أن تقتنع.
فترة الخطوبة كانت مثالية بشكل يكاد يكون مبالغًا فيه ولم يرفض لها طلبًا، لم يرفع صوته، لم يظهر أي جانب سلبي.
حتى عندما حدثت بعض الخلافات بين الأسرتين حول تفاصيل تجهيزات الزواج، كان هو من يتنازل سريعًا، أو على الأقل يبدو كذلك أمامها.
أما خلف الكواليس، فقد كانت نيرة هي من تتنازل، مرة عن قائمة، ومرة عن ذهب، ومرة عن تفاصيل كانت تتمناها، لكنها كانت تردد لنفسها «المهم نكمل».
تم الزواج في أجواء احتفالية كبيرة، وبدأت الحياة التي حلمت بها.
شهر العسل كان هادئًا في بدايته، لكنه لم يكن كما تخيلته تمامًا.
لاحظت بعض التغيرات الصغيرة، مثل انشغاله بهاتفه لفترات طويلة، أو خروجه المفاجئ بحجج غير مقنعة، لكنها تجاهلت الأمر، واعتبرته ضغطًا طبيعيًا بعد الزواج، مع نهاية الشهر الأول، بدأت الحقيقة تتسلل ببطء، تأخره خارج المنزل أصبح عادة، مصروف البيت بدأ يتأثر، وأعذاره أصبحت متكررة ومتشابهة.
حاولت التحدث معه بهدوء، لكنه كان يتهرب، أو ينهي النقاش بانفعال مفاجئ.
تدريجيًا ظهرت شخصية لم تعرفها من قبل وأصبح عصبيًا وسريع الغضب، لا يتحمل النقاش، بدأ يلقي بمسؤوليات البيت عليها بالكامل، وكأن الزواج كان مجرد محطة لإرضاء المجتمع، لا لبناء حياة مشتركة، تحملت في البداية كانت تقنع نفسها أن كل زواج يمر بفترة صعبة، وأن الصبر هو الحل.
لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد.
بدأت تلاحظ تصرفات غريبة، عودته في أوقات متأخرة بحالة غير طبيعية، ونظرات زائغة لا تشبهه.
الصدمة الكبرى جاءت حين اكتشفت، بطريقة غير مباشرة، أنه يتعاطى مواد مخدرة، ولم تكن تريد التصديق، لكنها رأت الأدلة بعينها واجهته، فأنكر في البداية، ثم انفعل، وطلب منها عدم التدخل فيما لا يعنيها، وهنا بدأت تشعر أنها تعيش مع شخص غريب تمامًا، ولكن ما زاد الأمر تعقيدًا، كان جملة قالتها زوجة عمه في إحدى الزيارات العائلية، حين نظرت إليها بنظرة تحمل معنى خفي، وقالت: «إبليس وعامل قديس» لم تفهم نيرة المقصود في البداية، لكنها لم تنسَ العبارة.
ظل المعنى يلاحقها، حتى بدأت تسأل بشكل غير مباشر ومع الوقت بدأت تتكشف أمامها حقائق صادمة واكتشفت أن زوجها لديه علاقات نسائية متعددة، وأنه لم يكن كما صوّر نفسه أبدًا.
والأسوأ من ذلك، أنه كان متزوجًا عرفيًا قبل زواجه منها، وقفت أمام هذه الحقيقة عاجزة عن الفهم.
كيف خدعها بهذا الشكل؟ كيف استطاع أن يعيش هذا الدور طوال فترة الخطوبة؟ ، وحين واجهته هذه المرة، لم ينكر بل نظر إليها ببرود، وكأن الأمر لا يستحق الشرح.
كانت تلك اللحظة هي نقطة الانكسار.
قررت أن تترك المنزل وجمعت أغراضها في صمت، لكن حين علم بنيتها، تحول فجأة إلى شخص آخر أكثر عنفًا، وانهال عليها ضربًا، في مشهد لم تتخيل يومًا أن تكون بطلة له، خرجت من المنزل وهي تحمل آثارًا جسدية ونفسية لا تُمحى بسهولة، فطلبت الطلاق بشكل ودي في البداية، لكنه رفض.
لم يكتفِ بالرفض، بل اتهمها بأنها تسعى للحصول على حقوقها المادية، وأن عليها أن تتنازل عنها بالكامل إذا أرادت الطلاق.
هنا قررت أن تلجأ للقانون، وفي أول جلسة تسوية، حضرت نيرة وهي في حالة من التوتر والإنهاك، وجلست أمام الأخصائي الاجتماعي تحاول أن تشرح ما حدث، لكن الكلمات كانت تخونها أحيانًا.
كانت تعود بذاكرتها إلى بداية العلاقة، إلى الوعود، إلى الأحلام التي انهارت فجأة، أما في الجلسة الثانية، بدا عليها الإرهاق أكثر، وتحدثت هذه المرة بتفاصيل أدق عن الإدمان عن العنف والخداع وكان صوتها يرتجف، لكنها كانت مصممة على الاستمرار، أما في الجلسة الثالثة، فقد كانت أكثر هدوءًا، كأنها استسلمت لفكرة أن النهاية حتمية.
لم يعد في صوتها غضب، بل نوع من الحزن الصامت، ففشلت محاولات التسوية، وأقامت دعوى طلاق للضرر بمحكمة الأأسرة في الجيزة برقم 743، مستندة إلى ما تعرضت له من أذى نفسي وجسدي، وقدمت تقارير طبية تثبت الاعتداء، وشهادات تثبت سلوكه، وتحريات دعمت روايتها.
في قاعة المحكمة، كانت تقف بثبات هذه المرة ولم تعد تلك الفتاة التي صدقت كل شيء، وكانت امرأة تحاول استعادة نفسها، قطعة قطعة، وكانت تستمع لاتهاماته لها ببرود، لم تعد تهمها كلماته، كل ما كانت تريده هو الخروج من هذه الزيجة، وكانت تعرف أن الطريق لن يكون سهلًا، لكن مجرد اتخاذ القرار كان بداية النجاة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك