تتجه ليبيا نحو تعزيز حضورها في القارة الأفريقية، عبر مسارات تجمع بين البعدَين الأمني والاقتصادي، في وقت تستعد فيه مدينة سرت، وسط البلاد، لاستضافة تدريبات عسكرية مشتركة بين معسكري شرق وغرب البلاد، برعاية قوات العمليات الخاصة التابعة للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم).
وشهدت طرابلس، اليوم السبت، إعادة افتتاح مقر" تجمع دول الساحل والصحراء"، بحضور رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وممثلي البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في التجمع، بعد أيام من استضافة العاصمة الليبية مؤتمر" قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط 2026".
وفي كلمته خلال الافتتاح، أكد الدبيبة أن استعادة ليبيا لمقر التجمع تعكس" استعادة بلادنا لمكانتها الطبيعية في محيطها الإقليمي، وأن ما تحقق من استقرار أمني وتعافٍ خلال الفترة الماضية أصبح واقعاً ملموساً يلمسه شركاؤنا في القارة"، مشيراً إلى أن التجمع يُعد من أبرز التكتلات الأفريقية المعترف بها ضمن منظومة الاتحاد الأفريقي، والتي" تمثل خطوةً استراتيجيةً لتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول الساحل والصحراء، وفتح آفاق أوسع للتعاون في مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية ودعم التنسيق الأمني بين دولنا"، وأكد الدبيبة التزام ليبيا" بالعودة بقوة إلى عمقها الأفريقي، والعمل مع شركائها من أجل تحقيق التنمية المستدامة، وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً لشعوبنا".
وكانت الحكومة قد نظمت، الاثنين الماضي، مؤتمر" قادة الاستخبارات العسكرية لدول الساحل والمتوسط 2026"، بحضور الدبيبة، ووكيل وزارة الدفاع اللواء عبد السلام الزوبي، والرئيس المكلف للأركان العامة صلاح الدين النمروش، وبمشاركة ممثلين عن أجهزة الاستخبارات العسكرية من تونس والجزائر والسودان والنيجر، إضافةً إلى ممثلين عن تركيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان.
وفي كلمته خلال المؤتمر، شدّد الدبيبة على أن هذا الحدث يهدف إلى تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي لمواجهة التهديدات المشتركة، ورفع مستوى التنسيق في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة والجريمة العابرة للحدود، مؤكداً أن منطقة الساحل والمتوسط باتت أكثر تأثراً بالتحديات الأمنية في ظل تنامي شبكات الجريمة المنظمة وتهديدات الإرهاب، مع ضرورة تبادل المعلومات بين الدول المعنية في الوقت المناسب.
و" تجمع دول الساحل والصحراء" تأسس بمبادرة ليبية سنة 1998 وعضوية 25 دولة أفريقية، كمنظمة إقليمية لتعزيز التكامل الاقتصادي والتجاري بين الدول الواقعة في منطقتَي الساحل والصحراء.
وعقد التجمع لقاءاته الرئاسية والوزارية في العديد من العواصم الأفريقية، قبل أن ينتقل مقره الرئيسي من طرابلس إلى انجامينا عام 2011 بسبب الظروف الأمنية التي مرت بها البلاد.
وتأتي هذه التحركات في الاتجاه الأفريقي، في وقت تستعد فيه مدينة سرت لاستضافة جزء من مناورات تمرين" فلينتلوك 2026" العسكرية، التي تنظمها" أفريكوم"، منتصف الشهر الجاري، بمشاركة قوات من معسكري شرق وغرب البلاد.
وكان الدبيبة قد أعلن، يوم الخميس قبل الماضي، عن تحرك وحدات تابعة لوزارة الدفاع من العاصمة طرابلس باتجاه مدينة سرت للمشاركة في التمرين، فيما أعلن صدام حفتر، بصفته نائب ما يُعرف بـ" قائد القيادة العامة للجيش الوطني"، منتصف الأسبوع الماضي، عن تحرك وحدات عسكرية تابعة لقيادته إلى المدينة ذاتها للمشاركة في التمرين.
وفيما أكد الدبيبة أن هذه التمرينات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لليبيا، كونها تسهم في" دعم توحيد المؤسسة العسكرية"، وتطوير قدرات مكافحة الإرهاب، وتعزيز مكانة ليبيا دولياً، وإبراز قدرتها على استضافة تدريبات دولية.
وبحسب الدبيبة، فإنّ هذا التمرين يهدف إلى" تعزيز أطر التعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب، ورفع مستوى الجاهزية" للتعامل مع التهديدات الأمنية في منطقتَي شمال وغرب القارة الأفريقية" في سابقة تُعد الأولى من نوعها داخل ليبيا من حيث حجم المشاركة والتنوع الدولي".
وأعلن صدام من جانبه اكتمال كافة الاستعدادات" لاستقبال الوفود العسكرية من مختلف المدن الليبية"، مؤكداً أن استضافة ليبيا لهذا الحدث" تمثل فرصةً لتعزيز التنسيق الدولي في مواجهة الإرهاب، وحماية الحدود، ورفع الجاهزية القتالية"، معتبراً أنها خطوة مهمة في استعادة ليبيا لدورها الريادي في حفظ الأمن والسلم.
ووفقاً للرؤية الأميركية، فإنّ استضافة ليبيا لجزء من هذا التمرين سيكون له موقع محوري داخل البلاد، بمشاركة قوات أمنية من مختلف المناطق الليبية، بالإضافة إلى إيطاليا وشركاء دوليين آخرين، وفق ما أعلنته السفارة الأميركية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، مشيرةً إلى تطلع واشنطن إلى استمرار التعاون مع الشركاء الليبيين من مختلف أنحاء البلاد لتحقيق أهداف مشتركة تتعلق بالأمن الإقليمي والازدهار المتبادل.
وتأتي هذه التطورات في سياق انخراط أميركي متزايد في الملف الأمني والعسكري الليبي منذ عام 2024، عبر سلسلة من اللقاءات رفيعة المستوى بين مسؤولي" أفريكوم" وقادة الشرق والغرب، ضمن مقاربة تهدف إلى الدفع نحو بناء" قوة ليبية موحدة" من ضباط المعسكرين.
ويُعد تمرين" فلينتلوك" أكبر مشروع تعبوي عسكري تنظمه" أفريكوم" سنوياً، بهدف تعزيز قدرات الدول الأفريقية الحليفة لواشنطن، بالتعاون مع قوات خاصة دولية، وقد شاركت فيه خلال النسخة الماضية أكثر من ثلاثين دولة أفريقية وأوروبية.
وتبرز ليبيا كإحدى النقاط ذات الأهمية الاستراتيجية في التنافس الدولي داخل القارة الأفريقية، خاصةً في ظل الحضور العسكري الروسي المتنامي في البلاد، إذ منحت قيادة حفتر موسكو عدداً من المواقع العسكرية المهمة، ولا سيّما الجفرة، القريبة من سرت وسط جنوب البلاد، وقاعدة السارة، جنوب شرق، والخادم في سرت.
ويمثل هذا الحضور العسكري الروسي مصدر قلق أوروبي وأميركي، ولا سيما في ظل اتجاه موسكو لاتخاذ ليبيا منطلقاً نحو دول الحزام الصحراوي، التي شهدت في السنوات الأخيرة تغيرات سياسية وأمنية عميقة في بنية الحكم، اتجهت في بعضها نحو أنظمة ذات طابع عسكري بدعم روسي.
وكشفت تسريبات إعلامية أجزاء من تقرير عُرض على الكونغرس الأميركي، خلال إبريل/نيسان الجاري، حذر من اتساع نطاق الوجود الروسي في أفريقيا خلال العقد الماضي، عبر انتشار عناصر أمنية وعسكرية في عدد من الدول، ضمن ترتيبات ترتبط بتقديم الدعم الأمني مقابل امتيازات اقتصادية تتصل بالموارد الطبيعية أو النفاذ اللوجستي.
وبحسب التقرير، فإن ليبيا، إلى جانب مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى، من أبرز نقاط التمركز الروسي في القارة، وتطور دورها خلال السنوات الأخيرة كموقع ذي أهمية لوجستية في إطار إعادة توزيع الحضور العسكري الروسي خارج مناطق تقليدية أخرى، كما ربط التقرير بين هذا التمدد وبين استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى تعزيز النفوذ في أفريقيا عبر أدوات أمنية وعسكرية وشبكات تعاون محلية، بما يعيد تشكيل خريطة التنافس الدولي في عدد من مناطق القارة، خصوصاً في نطاق الساحل والصحراء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك