لم يعد المشهد اللبناني مجرد ساحة اشتباك عسكري محدود، بل تحوّل إلى عقدة مفصلية في لحظة عالمية شديدة التعقيد، حيث يتداخل التصعيد الميداني مع مسارات التفاوض، وتتشابك الحسابات الإقليمية مع أطماع القوى الكبرى.
لبنان اليوم يقف عند نقطة فاصلة، ليس فقط في تاريخه الوطني، بل في موقعه داخل معادلة التوازن الإقليمي.
اللافت أن الخلاف الذي ظهر منذ اللحظة الأولى لإعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران كشف حجم الالتباس المحيط بالملف اللبناني، إذ أعلن كل طرف تفسيراً مختلفاً لطبيعة الالتزامات المرتبطة بلبنان.
هذا الالتباس لم يكن تفصيلاً فنياً، بل مؤشراً على أن لبنان بات جزءاً أصيلاً من معادلة التفاوض، وأن مصيره أصبح مرتبطاً بنتائج الصراع الأكبر بين واشنطن وطهران.
على المستوى الاستراتيجي، لا يمكن قراءة التحركات الإسرائيلية في لبنان باعتبارها رد فعل مؤقتاً، بل امتداد لطموح تاريخي قديم، ظهر بوضوح منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وتكرر في محطات لاحقة، وصولاً إلى اللحظة الراهنة التي تبدو فيها الفرصة مواتية لتحقيق هدف لطالما كان حاضراً في الأدبيات البحثية الإسرائيلية، وهو عزل جنوب لبنان، خصوصاً جنوب نهر الليطاني، وتحويله إلى منطقة عازلة تمهيداً لإعادة تشكيله ديموغرافياً.
ما جرى خلال الأسابيع الماضية من عمليات عسكرية مكثفة، واستهداف للبنية التحتية، وضرب للجسور الحيوية، يعكس بوضوح أن الهدف لا يقتصر على الضغط العسكري، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة خلق واقع جغرافي جديد.
هذه الاستراتيجية تتكامل مع خطاب متصاعد داخل التيارات المتطرفة في إسرائيل، يتحدث صراحة عن مشاريع استيطانية في مناطق لبنانية، وهو ما يعكس ذهنية توسعية لا يمكن تجاهلها عند قراءة المشهد.
في المقابل، تحوّل لبنان إلى ورقة تفاوضية بيد أكثر من طرف.
فإيران تنظر إلى حزب الله باعتباره إحدى أهم أدوات نفوذها الإقليمي، ومن ثم فإن التخلي عنه ليس قراراً سهلاً، لكنه في الوقت ذاته ليس مستحيلاً إذا ما وجدت طهران نفسها أمام ضغوط داخلية هائلة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
هنا تظهر معضلة معقدة: التمسك بهذه الورقة قد يعرقل مسارات التهدئة، بينما التفريط فيها قد يمثل خسارة استراتيجية لإيران.
أما الولايات المتحدة، فتبدو حساباتها أكثر ارتباطاً بإدارة التوازن مع إسرائيل، خصوصاً في ظل اختلاف غير معلن في بعض تفاصيل الملف اللبناني بين واشنطن وتل أبيب.
فبينما يسعى الرئيس الأمريكي إلى تسويق خطاب السلام واحتواء التصعيد لأسباب اقتصادية وسياسية، تبدو الحكومة الإسرائيلية أكثر اندفاعاً نحو تحقيق مكاسب ميدانية قبل تثبيت أي تسوية.
في هذا السياق، تتراجع قدرة الفعالين الدوليين التقليديين على التأثير، فالدور الأوروبي يبدو ضعيفاً، رغم محاولات فرنسية مستمرة للحفاظ على نفوذها التاريخي في لبنان، أما العالم العربي، فرغم حضوره الدبلوماسي والإنساني، إلا أنه يواجه تحديات متراكمة تحد من قدرته على فرض معادلات ردع حقيقية.
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في محاولة إسرائيل تحويل لبنان إلى نموذج شبيه بغزة، ليس فقط من حيث حجم الدمار، بل من حيث إضعاف الدولة المركزية، وتحويلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات، هذا السيناريو لا يمثل تهديداً للبنان وحده، بل يشكل ضربة قاسية لمنظومة الأمن العربي بأكملها.
تظل الفرصة قائمة أمام الدولة اللبنانية لاستعادة زمام المبادرة، وهو أمر يرتبط في جوهره بحسم قضية السلاح خارج إطار الدولة، واستعادة القدرة على بسط السيادة الداخلية، فكلما تعززت سلطة الدولة، ارتفعت قدرتها على حماية مؤسساتها وحشد الدعم الدولي والإقليمي الذي يحول دون انزلاقها نحو سيناريو الانهيار الكامل.
ولهذا يصبح موقف حزب الله عنصراً حاسماً في تحديد مصير الدولة اللبنانية نفسها، إذ إن استمرار السلاح خارج إطار الدولة يمنح إسرائيل الذرائع التي تبحث عنها لتبرير تصعيدها، ويضعف في الوقت ذاته صورة الدولة اللبنانية وقدرتها على فرض سيادتها.
وإذا ما وجدت إيران نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الداخلية بعد كلفة الحرب الباهظة، فإن احتمال تراجع دعمها لحزب الله يظل قائماً، وهو ما يفرض على الحزب قراءة اللحظة بواقعية، والعودة إلى الحاضنة الوطنية اللبنانية، بما يسمح بإغلاق ملف السلاح خارج الدولة، ويفتح الباب أمام استعادة لبنان لهيبته ومكانته في الداخل والخارج.
ولا يمكن فصل المشهد اللبناني عن التحولات الأوسع في النظام الدولي، فالحرب الأخيرة كشفت أن السيطرة على الممرات الحيوية، مثل مضيق هرمز، أصبحت عنصراً حاسماً في تشكيل موازين القوة العالمية، لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية، بل أصبح الموقع الجغرافي والتحكم في طرق التجارة عاملين مؤثرين في رسم مستقبل الدول.
هذه التحولات تعيد العالم إلى منطق تاريخي قديم، حيث كانت الإمبراطوريات تبني نفوذها عبر السيطرة على طرق التجارة والممرات الاستراتيجية، واليوم، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة مشابهة، تُقاس فيها القوة بمدى القدرة على التحكم في مفاصل الحركة الاقتصادية العالمية.
في ضوء ذلك، يصبح لبنان أكثر من مجرد ساحة نزاع إقليمي، إنه جزء من لوحة أكبر يعاد رسمها، حيث تتغير قواعد اللعبة الدولية، وتتراجع المؤسسات التقليدية، ويصعد منطق القوة الصلبة على حساب القانون الدولي.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستنجح المفاوضات أم تفشل؟ بل: هل تدرك دول المنطقة أن لحظة إعادة تشكيل الجغرافيا، وكتابة تاريخ جديد قد بدأت بالفعل؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك