يستهل نبيل عمرو حديثه بالتأكيد على فكرة محورية: “الجانب الشخصي في حياة السياسي مؤثر في مساراته وفي تفكيره وفي التزامه”.
وهو من مواليد سنة 1947 في بلدة دورا التابعة لمحافظة الخليل.
نشأ في بيئة فلسطينية مسيّسة بطبيعتها، ويقول: “كان جميع الفلسطينيين آنذاك ينتمون إلى هيئات وأحزاب”، حيث كانت السياسة جزءاً من الحياة اليومية.
يستعيد طفولته في بلدة دورا، متحدثاً عن حياة عائلية مستقرة نسبياً، وعن مدرسة شكّلت فضاءً أولياً للوعي، لكنه يربط هذا الوعي أيضاً بالشارع العربي الأوسع: مظاهرات تضامن مع الجزائر، وتفاعل مع أحداث المنطقة، وانخراط مبكر في قضايا تتجاوز الجغرافيا المحلية.
وفي حديثه عن فترة الإدارة الأردنية، يقدم قراءة مغايرة لما يُختزل أحياناً في السرديات السياسية، إذ يصف العلاقة بأنها “سوية وطبيعية”، ويذهب إلى حد القول إن “الاندماج الذي تم في المؤسسة الأردنية الفلسطينية كان مثالياً”، معتبراً أنه النموذج الأنجح للوحدة العربية.
حرب 1967: من وهم النصر إلى صدمة الواقعيتوقف نبيل عمرو طويلاً عند حرب 1967، التي يصفها بأنها “زلزال غيّر الكثير في مسارات حياتنا كأفراد ومجتمعات”.
لكنه لا يكتفي بوصف الهزيمة، بل يعيد بناء المشهد النفسي والاجتماعي الذي سبقها.
يروي كيف كان “يقين الناس أنه بمجرد بدء الحرب سيعود اللاجئ إلى بلده، وأن الإسرائيليين سيركبون البحر ويذهبون”، في إشارة إلى حجم التعبئة الإعلامية والتوقعات الشعبية.
في اليوم الأول، كانت الاحتفالات، وتوزيع الحلوى، والشعور بقرب النصر.
لكن خلال أيام قليلة، انكشف الواقع، وتحوّل ذلك اليقين إلى صدمة جماعية.
هذه اللحظة، كما يصفها، لم تكن مجرد هزيمة عسكرية، بل لحظة انهيار سردية كاملة، ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من الوعي، دفعت بجيله إلى الانخراط في العمل السياسي والنضالي.
الإعلام كجبهة نضال: صوت العاصفة وتجربة التأسيسفي بداية السبعينيات، يدخل نبيل عمرو عالم الإعلام من بوابة إذاعة “صوت العاصفة”، في قصة تحمل دلالة رمزية، حيث كان “بيت شعر” هو الذي فتح له الباب.
يتذكر كيف التقى بمدير الإذاعة السيد فؤاد ياسين، الذي لاحظ نبرة صوته وطلب منه القراءة، لتبدأ رحلة إعلامية ستقوده لاحقاً إلى إدارة إذاعة الثورة الفلسطينية.
يقول: “كانت أمنية أي شاب عربي العمل في صوت العاصفة، وأنا كنت من ضمنهم”.
لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة إعلام، بل أداة تعبئة، وصوتاً للثورة، ومنصة لصياغة خطاب سياسي ونفسي في زمن الهزيمة.
تدرّج عمرو في هذه المؤسسة من مذيع إلى مدير، وشارك في مرحلة كانت فيها الكلمة جزءاً من المعركة، حيث لعب الإعلام دوراً محورياً في رفع المعنويات وبناء الوعي.
من موسكو إلى انهيار التوازن الدوليفي انتقاله إلى العمل الدبلوماسي، يتحدث نبيل عمرو عن تجربته سفيراً لدى الاتحاد السوفياتي عام 1988، حيث يعيد تقييم العلاقة الفلسطينية السوفياتية بطريقة نقدية.
يقول: “كنا نصف الاتحاد السوفياتي بالحليف، لكنه لم يكن كذلك”، موضحاً أن العلاقة كانت في كثير من الأحيان غير متكافئة.
ورغم الدعم الذي قدمه السوفيات، إلا أن التحولات الكبرى، خاصة انهيار الاتحاد، كانت لها آثار سلبية على القضية الفلسطينية.
أما اليوم، فيرى أن الدور الروسي “انحسر كثيراً”، ولم يعد قادراً على التأثير الحاسم، مشيراً إلى أن موسكو “في حالة ضعيفة للغاية في التأثير على مسارات الأوضاع في الشرق الأوسط”.
القضية الفلسطينية اليوم: تقدم بلا حلفي قراءته للواقع الراهن، يقدم السفير السابق مفارقة لافتة: القضية الفلسطينية “تتقدم وتتعمق” على المستوى الدولي، لكنها في الوقت نفسه تبتعد عن الحل.
يشير إلى أن “اعتراف دول العالم جميعاً تقريباً بالدولة الفلسطينية” يمثل مكسباً مهماً، لكنه لا يترجم إلى حل سياسي فعلي.
ويربط ذلك بالتحولات الإقليمية والحروب الأخيرة التي أعادت خلط الأوراق.
ومع ذلك، يرفض خطاب الهزيمة، مؤكداً أن “كلما نشبت حرب كبيرة في الشرق الأوسط يتلوها إعادة فتح الملف الفلسطيني”، في إشارة إلى دور الأزمات الكبرى في إعادة وضع القضية على الطاولة الدولية.
ورغم تعقيدات المشهد، فإن القضية الفلسطينية، بحسب رؤيته، تظل حاضرة في صلب التوازنات الإقليمية.
فكل تصعيد كبير في الشرق الأوسط يعيد طرحها على جدول الأعمال الدولي، ما يعكس استمرار مركزيتها في معادلة الاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك