واشنطن ـ «القدس العربي»: تتزايد الشكوك حول أهداف ومكاسب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت مع إيران، وسط مؤشرات مبكرة على هشاشة الاتفاق وتصاعد الخلافات حول بنوده، خاصة ما يتعلق بلبنان ومضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
فبعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي بدأ في 28 شباط/فبراير بضربات أمريكية إسرائيلية مشتركة، بدا أن إعلان هدنة لمدة 14 يومًا يمثل مخرجًا سريعًا من حرب مكلفة.
غير أن هذا «المخرج» سرعان ما تحول إلى مصدر قلق، مع تزايد المؤشرات على أن طهران تمكنت من فرض أوراق ضغط استراتيجية، رغم الخسائر العسكرية التي تكبدتها.
خلال أقل من 24 ساعة على إعلان وقف إطلاق النار، ظهرت تصدعات واضحة.
فقد اتهمت إيران واشنطن بانتهاك الاتفاق، خصوصًا بعد تأكيد البيت الأبيض أن العمليات الإسرائيلية في لبنان لا تدخل ضمن نطاق الهدنة.
هذا الموقف يتعارض مع ما أعلنته أطراف وسيطة، بينها باكستان، التي أشارت إلى أن لبنان جزء من الاتفاق.
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف اعتبر أن «أساس التفاوض قد تم انتهاكه قبل أن يبدأ»، في حين وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الموقف الأمريكي بأنه «تراجع مبكر» عن الالتزامات.
في المقابل، تصر واشنطن على أن لبنان «ملف منفصل»، بينما وصف نائب الرئيس جي دي فانس الخلاف بأنه «سوء فهم»، محذرًا من أن إصرار طهران على ربط الملفين قد يؤدي إلى انهيار المفاوضات.
يبرز التصعيد الإسرائيلي في لبنان كأخطر تهديد مباشر للهدنة.
فقد شنت إسرائيل أعنف غاراتها منذ بدء الحرب، مستهدفة مناطق واسعة في الجنوب والشرق، وصولًا إلى بيروت، ما أسفر عن مئات القتلى وآلاف الجرحى، إضافة إلى أكثر من مليون نازح منذ بداية التصعيد.
وترى طهران أن استمرار هذه الضربات بدعم أمريكي غير مباشر يقوض أي فرصة لنجاح الاتفاق، فيما حذر مسؤولون لبنانيون من أن الوضع يمثل «نقطة تحول خطيرة».
مضيق هرمز: ورقة الضغط الأهميبقى مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، العامل الأكثر حساسية في المعادلة.
فخلال الحرب، تمكنت إيران من فرض سيطرة فعلية على الممر البحري، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز عالميًا.
ورغم إعلان الهدنة، لا يزال وضع المضيق غامضًا.
فبينما تؤكد واشنطن أنه مفتوح، تشير تقارير ملاحية إلى مرور عدد محدود جدًا من السفن، مقارنة بأكثر من 100 سفينة يوميًا قبل الحرب.
إيران، من جانبها، لم تلتزم بفتح كامل للمضيق، وطرحت فكرة فرض رسوم عبور قد تصل إلى دولار واحد لكل برميل نفط، في خطوة تعزز نفوذها الاقتصادي.
بل إن تصريحات ترامب حول إمكانية إدارة المضيق «كمشروع مشترك» مع طهران أثارت مزيدًا من الجدل، واعتُبرت مؤشرًا على قبول ضمني بدور إيراني دائم في الممر الحيوي.
استمرار الهجمات رغم الهدنةعلى الأرض، لم تتوقف العمليات العسكرية بالكامل.
فقد أعلنت عدة دول خليجية، بينها قطر والكويت والسعودية، اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة إيرانية استهدفت منشآت حيوية، بما في ذلك مرافق نفطية ومحطات كهرباء.
وتعزو واشنطن هذه الهجمات إلى «تأخر في إيصال أوامر وقف إطلاق النار» إلى بعض الوحدات الإيرانية، في حين تؤكد طهران أن قواتها «لا تزال في حالة جاهزية كاملة» تحسبًا لانهيار الاتفاق.
البرنامج النووي: غموض مستمرأحد أبرز أهداف الحرب المعلنة كان منع إيران من امتلاك سلاح نووي.
لكن هذا الهدف لا يزال بعيدًا عن التحقق، إذ تحتفظ طهران بمخزون كبير من اليورانيوم عالي التخصيب، يُقدَّر بنحو 970 رطلاً، وفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ورغم تأكيد ترامب ووزير دفاعه بيت هيغسيث أن هذا المخزون «تحت المراقبة الدقيقة»، لا توجد مؤشرات على استعداد إيران للتخلي عنه.
كما أن تصريحات أمريكية حول «إزالة المواد النووية المدفونة» لم تُقابل بأي التزام إيراني واضح.
انتصار عسكري أم مأزق استراتيجي؟تؤكد الإدارة الأمريكية أنها حققت «انتصارًا حاسمًا»، مشيرة إلى تدمير آلاف الأهداف وإضعاف القدرات الجوية والبحرية الإيرانية.
غير أن هذه القراءة تواجه تشكيكًا واسعًا.
فمنذ البداية، حذر محللون من قدرة إيران على خوض حرب غير متكافئة، تعتمد على استنزاف الخصم بدل مواجهته مباشرة، وهو ما تحقق جزئيًا عبر الضغط على الاقتصاد العالمي من خلال مضيق هرمز، واستمرار الهجمات غير المباشرة في المنطقة.
الأهم من ذلك، أن النظام الإيراني نجح في تحقيق هدفه الأساسي: البقاء.
فرغم الضربات القاسية، لم تظهر أي مؤشرات على انهيار داخلي أو تمرد شعبي واسع، بل تم استبدال القيادة بسرعة بعد مقتل المرشد السابق، ما عزز استمرارية النظام.
مفاوضات مرتقبة وسط ضبابيةمن المقرر أن تنطلق جولة مفاوضات جديدة في إسلام آباد بوساطة باكستانية، بقيادة نائب الرئيس الأمريكي، في محاولة لتحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق دائم.
لكن حجم الخلافات القائمة يجعل فرص النجاح غير مضمونة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك