ظهرت موجة الرواية الجديدة في فرنسا مع نتالي ساروت وآلان روب غرييه وغيرهم من كتاب شباب، اختاروا أن يُعرّفوا بالإنسان كما هو بدون مساحيق تجميلية وبدون أقنعة تخالف عالمه الوجودي الذي يحتاج منه أن يحيا فيه كما هو حقيقةً لا خيالاً والكتابة بطريقة متطرفة وموغلة في عنصر التجريب.
فقد تخلت الرواية بمفهومها الجديد عن البنية التقليدية وسعت إلى زعزعة مركزية الإنسان داخل النص والمجازفة أيضاً بمصير الرواية كجنس أدبي استطاع أن يحافظ على بقائه في الريادة دائماً رغم كثرة الأجناس من حوله.
بالعودة إلى عالمنا العربي نجد أن الرواية الجديدة لم تظهر إلا كتقليد للرواية الفرنسية بعد عصر النهضة وظهور النصوص المترجمة، لتعرف ظهوراً متأخراً داخل الجزائر بسبب الاستعمار وما خلفه من مظاهر ضعف في عدة مجالات منها المجال الأدبي.
اليوم ومع الألفية الجديدة ظهرت النصوص الجزائرية وهي تحاكي نصوصاً كبيرة في العالم، تحاول أن تبني لها هوية تعبر عنها.
وقد نجح في ذلك عدد من الكتاب مثل واسيني الأعرج وبشير مفتي وإبراهيم سعدي وغيرهم.
نعثر أيضاً على مجموعة من الكتاب الشباب الذين اختاروا تيار الرواية الجديدة من أجل التعبير عن الواقع المتأزم والمجتمع المتفكك، من بين هذه النصوص رواية «شركاء متشاكسون» للروائي عبد الغني صدوق، إذ يحاول في هذا النص الكتابة بمعايير سردية احترافية ويبرز قدرة فنيّة عالية على تحويل قصة متداولة إلى رواية ناجحة.
هذه النوفيلا تحكي الصراع القائم بين بني الإنسان في مختلف أصنافه، تسرد لنا المصائر النهائية بصورة سينمائية، فالروائي هنا تحرّر من أبعاد الزمان والمكان وقدم لنا هذا النص مجرداً من أهم عناصره.
وهو بهذا يعانق الرواية في طروحاتها الجديدة ويهدم البنية القديمة ليعيد إنتاج بنية توافق الإنسان الجديد، وهذا أوّل ما يحسب لـ«شركاء متشاكسون» بِعَدِّها رواية جديدة.
كما نجد تحرراً تاماً من بيئة الكاتب سواءً الجزائرية أو الصحراوية، هذا رصيد ثانٍ ينضاف للنص كرواية جديدة.
هذه الرواية يمكنها أن تُقرأ وفق بيئات مختلفة وأزمنة متعددة من دون أن يخل تاريخ كتابتها بذلك، كما عمد الكاتب إلى هيكلة نصّه وفق أجزاء صغيرة بصفحات معدودة لكل جزء، حيث تشكلت الرواية من 32 جزءاً، حمل كل جزء عنوانه الخاص.
كانت الشخوص تتناوب على الحكي داخل هذه الأجزاء التي جاءت تحت عناوين مختلفة تدل في معناها عما يحمله كل جزء، وهذا التقسيم يخدم الرواية من الناحية الفنية ويجعلها سلسة وذات أحداث متتابعة.
فكل شخصية في هذه النوفيلا كانت تروي عالمها وفق رؤيتها الخاصة، وكان السرد يتتابع من دون أن يفقد القارئ ترتيب الحكاية وكأن راوياً واحداً هو من يرويها، عدا شخصية الهاملة فإنها لم تَروِ قصتها، إنما تمّ ذكرها كشتات في أجزاء قصص باقي الشخوص، ذلك أنها كانت مفقودة وكانت هي لغز الرواية، إنها المبحوث عنها وهي السر الذي لم يخبرنا عنه أحد، لنجد في النهاية أن الواقع يختلف عما نتخيله، وأن الأقدار لا تساير المنطق البشري عادة، بل هناك دائماً كسر للتوقعات ومخالفة للمُنتظَر.
فقد جاءت هذه النوفيلا لتقول لنا بأن الإنسان هو الإنسان في مختلف الأزمنة والأمكنة، كما يتطرق صاحب الرواية إلى سؤال مهم في الدراسات الفلسفية وهو سؤال الشر، فهل الشر طبيعة بشرية مثلما يرى ذلك كانط أم أنه نتيجة لظروف مجتمعية كما فسرها نيتشه؟ إن الشر يبقى دائما مفهوماً نسبياً ولكن حضوره يظلّ يساير الحضارات والأجيال، نّه سؤال طويل لا نهاية له، فالشرير واحد منا ذا طبيعة بشرية، فهل يمكننا أن نقوم نحن أيضا بتلك الأفعال الشرانية؟ وهل في تركيبتنا البشرية كل ذاك الشر؟تطرح رواية «شركاء متشاكسون» هذا السؤال بدون أن تتخلى عن بنيتها الفنية، بل تترك للقارئ حرية التأويل، فالإنسان في هذه الرواية يتجزأ بطريقة دراماتيكية، يعبر فيها عن خوفه وأطماعه ورغباته ونوازعه ومشاعره.
بالنسبة للإنسان هنا كان عدواً وصورة من صور الحرب والتضاد في العلاقات التي تتشكل وفق قيود وأنظمة عقائدية ومجتمعية.
فمن ناحية شخوص الرواية نجدها شخوصاً متأزمة متعبة؛ تائهة ومتشردة لا تعرف أي السبل عليها أن تسلك ولا بأي الكلمات تعبر عما تعيشه من ضياع، تتساوى كلها في حق الكلام وتعرض نفسها كما هي لا كما يراها الآخرون.
لا شيء يمكنه أن يغير الإنسان، لا مبررات للقسوة لا تفاسير كثيرة للشر، هذه هي الفطرة البشرية.
فالعنوان يخبرنا أن الاختلاف هو أكثر ما يحكم العلاقات وأن المصالح تتصادم في أكثر الأحيان، وأن الحقيقة قد تغيب عنا لوقت طويل ليس لأننا لم نُحسِن البحث عنها، إنما لأنها كانت أقرب مما يجب أن تكون قريبة.
1/ المصالح المتصادمة: تحاول هذه الرواية تعرية الإنسان ووضعه وسط غرفة مليئة بالأضواء الكاشفة، رواية تقول لنا بأن الإنسان يمكنه أن يؤذي بلا حدود إن شعر بالخطر، لا يعنيه في ذلك مِن مَن يأتي الخطر، وهذا ما تمثله عفاف المرأة المطلقة؛ التي تعيش مع أمها ميمونة، ميمونة التي قامت بتربية الولد الشريف منذ ولادته لأنه مجهول النسب، لقد تخلت عنه أمه، فعفاف ترى الشريف دخيلاً عليهم ولا حق له بالحياة وسطهم حتى وإن فتح عينيه في هذا المنزل إلا أنه يستحق الطرد و يجب أن يتم التخلص منه دون تفاصيل كثيرة.
لنجد أن التخلص منه كان مستحيلاً بسبب حماية ميمونة له فلجأت إلى ممارسة السحر ضدّ ميمونة غير آبهة بأي مصير سوف تلقاه تلك الأم المسكينة التي تعاني المرض حتى الموت بدون أن تبوح بالسر للشريف وبدون أن يعرف حقيقة أصله.
2/ الحقيقة الضائعة: وسط حي يعرف باسم البقباقين كل مَن فيه مشغول بغيره، الجميع هناك ينسى نفسه لأنه لا يملك الوقت لذلك.
إن وقته كله يضيع في تتبع حياة الآخرين وفي التحدث عن عيوبهم، لا أحد هناك مشغول بإصلاح نفسه أو تطويرها لأن الجميع يرى الحياة من منظار مظلم، يعيش فقط ليذكر مساوئ غيره حتى لا يَتذكر حقيقة ما يعانيه ويتحدث عن أخطاء غيره خوفاً من أن يتحدثوا عن أخطائه هو.
في حي البقباقين عاش الشريف وكبر، لم يتوقف يوماً عن البحث عن الهاملة والدته.
كان فقط يود أن يلقاها كي تعوضه عما مضى ويعوضها هو أيضاً، لكن كل أبحاثه عنها كانت تنتهي بخيبات متكررة تطرق باب اليأس.
وقد كان يساعده في ذلك محمود ابن عفاف الوحيد من مطلقها فاروق الشرع؛ رجل القانون الذي لا يحكمه أي قانون والذي كان يتذكر ولده ببعض المال أحياناً ويوصيه أن يصرفه رفقة الشريف، لأنه لا يملك أيّ شيء يكفّر به عن ذنب قديم يتعبه.
أمّا بدرية الممرضة التي شعر الشريف بحنانها ولطفها وتمنى لو كانت لها ابنة تزوجه إياها، فماذا لو عرف أنها هي نفسها الهاملة أمه؛ المرأة التي غير فاروق الشرع حياتها واسمها حتى لا يهتدي إليها أحد، حتى لا تنغص حياته بعد أن سلب حياتها، فلا أحد أخبر الشرع أنها وبعد سنوات ستعود هي أيضاً لتسلب منه حياته حقيقة لا مجازاً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك