خلال السنوات الأخيرة، أصبحت كلمة “العولمة” محورًا متكررًا في النقاشات الأكاديمية والعامة على حد سواء.
وفي الجامعات اليابانية تحديدًا، لا يكاد يخلو أي منتدى أو ندوة من الحديث عن مفاهيم جديدة تحمل هذا المصطلح، مثل “المواطِن العالمي”، و “الشركات العالمية”، و “المجتمع العالمي”، و “الجامعة العالمية”.
ويبدو أن اليابان تبذل جهدًا كبيرًا، أحيانًا بشيء من الارتباك، لتواكب إيقاع هذا العصر المتسارع وتحجز لها مكانًا في النظام العالمي المتغير.
إلا أنّ هذه الصورة الطموحة تقابلها ظاهرة لافتة بين الشباب الياباني، وهي ما يُعرف بـ “الانغلاق الداخلي”.
فقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا في أعداد الطلبة الذين يسافرون للدراسة في الخارج، وتراجعًا عامًا في الاهتمام بالعالم الخارجي.
ووفقًا لدراسة صادرة عن المجلس الثقافي البريطاني، فإنّ كثيرًا من الطلبة اليوم يفضلون البقاء داخل اليابان واختيار ما يناسبهم من الفرص المحلية، بدلًا من خوض مغامرات محفوفة بالمخاطر في الخارج، حتى إن كانت تلك المغامرات تحمل إمكانات أكبر للنمو والتعلّم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين اختفى ما كان يُعرف بروح التحدي والطموح اليابانية؟أتذكّر سؤالًا وجهه إليّ أحد طلبتي قبل سنوات: “ماذا يعني أن تكون مواطنًا عالميًا؟ ”، أجبت دون تردد: “أن تتحرر من ضيق مفهوم الوطنية لتنفتح على رحابة مفهوم المواطنة الإنسانية”.
فالانتقال من هوية “الوطني” إلى هوية “الآسيوي” ثم “الإنساني” هو في جوهره مسار نحو أن تكون “Global Citizen”، أي مواطنًا يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية ليعيش ويفكر كجزء من الإنسانية جمعاء.
لكن قبل أن نتحدث عن العالمية، علينا أن نفهم أنفسنا أولًا، وأن ندرك مكامن قوتنا كأفراد وكدولة.
أذكر أنني سألت أحد المفكرين المصريين قبل أعوام عن معنى “العولمة”، فأجابني بجملة مازالت ترنّ في أذني: “لكي تصل إلى العالمية الحقيقية، عليك أن تتقن المحلية أولًا”.
هذه الفكرة تذكّرنا بأن الانفتاح على العالم لا يتحقق إلا حين نفهم جذورنا بعمق ونقف بثقة على أرضنا.
هذا ما عبّر عنه أيضًا المفكر الياباني أوكاكورا تينشين حين قدّم للعالم كتابه الشهير كتاب الشاي (The Book of Tea).
فقد رأى في ثقافة الشاي اليابانية مدخلًا لفهم روح الشرق، وطريقًا للتواصل مع العالم من خلال موروث وطني متأصل.
لقد اختار أن يقدم للعالم جوهر اليابان الحقيقي لا صورته السطحية، مؤمنًا بأن العولمة ليست في ذوبان الهوية، بل في مشاركتها مع الآخرين بثقة وفهم عميق.
وربما هنا يكمن الدرس الأهم: أن تكون عالميًا يعني أن تبدأ من ذاتك.
أن تكتشف قوتك الداخلية وهويتك الثقافية، ثم تفتح قلبك للعالم لتتشارك معه تلك القيم.
فالعولمة ليست ذوبانًا في الآخر، بل حوار بين خصوصيات متكافئة، يسهم كل منها في بناء الإنسانية المشتركة.
عبر تاريخ اليابان الحديث، سوف نجد عددا من الإصدارات المميزة والفريدة في طرحها لمفهوم “اليابان” أو دراسات الهوية اليابانية، لم يتواصل هذا التيار بسلاسة في صورة أعمال جديدة تُقرأ إلى اليوم، كما قد يُتخيَّل للوهلة الأولى.
فقد اختار كل واحد من الذين كتبوا في هذا المجال مسارًا مختلفًا في حياته وفكره، ومع تبدّل مساراتهم أخذت صورة “اليابان” في كتاباتهم تتحوّل هي الأخرى، لتغدو أكثر تباينًا وتعقيدًا.
يبرز أوّلًا دور المفكر أوكاكورا Tenshin، الذي لم ينظر إلى اليابان ضمن إطارها القومي الضيق، بل آثر منذ البداية إدراجها في أفق أوسع هو أفق آسيا أو “الشرق” بوصفه وحدة حضارية.
هذا الاختيار الفكري يضعنا أمام سؤالين كبيرين: ما مدى الواقعية التي كان يمكن أن تُفترض لوجود “آسيا” واحدة متجانسة؟ وهل يجوز أصلًا التعامل مع آسيا ككتلة واحدة متراصّة يمكن الحديث عنها بصيغة الجمع؟ من موقعنا الراهن قد يبدو نقد هذه الرؤية أمرًا ميسورًا؛ إذ تكشّفت لنا اليوم الفوارق الهائلة بين مجتمعات آسيا وثقافاتها، كما بات الحديث عن “آسيا واحدة” محفوفًا بالتبسيط وربما بالتسييس.
غير أنّ الأهمية التاريخية لفكر أوكاكورا لا تكمن في دقة هذا التصوّر بقدر ما تتمثّل في محاولته الخروج بآسيا من خانة “البقية” أو “الهوامش” في عين الغرب، إلى مستوى الفاعل التاريخي القادر على المبادرة وصوغ مشروعه الخاص.
من هنا تكتسب عبارته الشهيرة “آسيا واحدة” دلالتها، لا بوصفها توصيفًا جغرافيًا أو إثنولوجيًا دقيقًا، بل كونها نداءً لبناء حركة ذاتية تنطلق من الشرق في مواجهة المركزية الغربية.
هذه الفكرة ستنعكس لاحقًا في عدد من دراسات “اليابانيّات” التي يتناولها هذا الفصل، حيث تُطرَح اليابان أحيانًا بوصفها قلبًا أو محورًا داخل فضاء آسيوي أوسع، لا مجرّد جزيرة منعزلة على أطراف القارّة.
أما المفكر الآخر، أوتشيمورا، فقد سلك طريقًا مختلفًا في التعامل مع صورة الياباني، كما يتجلّى في عمله المعروف “اليابانيون الممثِّلون” (Representative Men of Japan)، الذي صدرت طبعته الأولى بالإنجليزية تحت عنوان Japan and the Japanese (اليابان واليابانيون).
هنا تتقدّم محاولة رسم ملامح “الياباني النموذجي” عبر شخصيات تاريخية بعينها، لتصبح سيرة هؤلاء الأفراد مرآة ترى من خلالها الأمة اليابانية ذاتها.
وبهذه المقاربة ينتقل النقاش من مستوى الحديث المجرّد عن “الطبع القومي” إلى مستوى السرد القصصي التحليلي الذي يمنح الهوية اليابانية لحمًا ودمًا، من خلال وجوه محددة وتجارب ملموسة.
بهذا المعنى، لذا تبدو مرحلة ما بعد تلك التجارب لمحاولة رسم ملامح الهوية اليابانية، بوصفها منعطفًا حاسمًا في تاريخ تعريف “مفهوم اليابان وهويتها”: فبدل أن يستمر الخطاب على وتيرة واحدة، نرى تشعّبًا في الرؤى والمسارات، ما بين من يوسّع أفق اليابان إلى آسيا كلّها، ومن يعيد تعريف الياباني عبر شخصيات بعينها، ومن سيأتي لاحقًا ليقدّم قراءات جديدة لليابان في سياق القرن العشرين المثقل بالتحولات والحروب.
ومن خلال تتبّع هذه المسارات المتباينة، يتّضح أن سؤال “من هم اليابانيون؟ ” لم يكن سؤالًا مغلقًا أبدًا، بل ظلّ مفتوحًا على تأويلات متعدّدة تتغيّر بتغيّر الزمان والظروف التاريخية.
أستاذ الدراسات اليابانية والترجمة بجامعة طوكاي اليابانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك