سعيت طوال حياتي الوظيفية إلى تعلّم لغة ثانية، وكانت الإنجليزية الخيار الطبيعي بحكم الضرورة وانتشارها في عالم الأعمال.
التحقت بدورات تدريبية في الدمام والخبر والبحرين، لكن التقدم كان بطيئًا؛ فوظيفتي لم تكن تعتمد على اللغة الإنجليزية إلا في نطاق محدود جدًا، لذلك كان ما أتعلمه يتبدد مع مرور الوقت بسبب قلة الاستخدام، بل إنني قطعت المحيط الأطلسي ذات مرة إلى المحيط الهادئ والتحقت بدورة تدريبية في جامعة كاليفورنيا لمدة عشرة أسابيع.
يومها أدركت أن الطريق مازال طويلًا، فالدورة الكاملة كانت تمتد إلى أربعين أسبوعًا.
ومع ذلك لم يكن هذا النقص اللغوي عائقًا حقيقيًا في مسيرتي المهنية، لأن الخبرة الإدارية والكفاءة العملية ظلتا الأساس، بينما يمكن تعويض بعض جوانب القصور بوسائل أخرى.
هذه التجربة الشخصية أعادت إلى ذهني مقولة شائعة: “من تعلّم لغة قومٍ أمن مكرهم”، حيث تحمل معنى عميقًا في عالم الإدارة والعلاقات الدولية.
فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل نافذة لفهم عقلية الآخر وطريقة تفكيره.
في الاجتماعات أو المفاوضات الدولية، قد يتبادل الطرف الآخر ملاحظات جانبية بلغته الأم، معتقدًا أن الحاضرين لا يفهمونها.
وهنا يصبح إتقان اللغة أشبه بـ “رادار” يكشف ما وراء الكلمات.
كما أن المدير الذي يفهم لغة شركائه أو مورديه يكون أقدر على اكتشاف الثغرات في العقود أو التفاصيل التقنية التي قد تضيع في زحمة الترجمة.
لكن اللغة ليست فقط أداة للفهم، بل وسيلة لبناء الثقة أيضًا.
عندما يتحدث الإنسان بلغة الطرف الآخر – ولو بقدر بسيط – فإنه يبعث رسالة تقدير لثقافته، وهذا وحده قد يخفف كثيرًا من التوتر في المفاوضات أو العلاقات المهنية.
ورغم هذه الأهمية، نلاحظ في بعض بيئات العمل العربية ظاهرة لافتة: مديران عربيان يتحدثان معًا باللغة الإنجليزية، حتى في غياب أي طرف أجنبي.
قد يكون السبب عمليًا في بعض الأحيان، لأن التقارير والمراسلات تُكتب بالإنجليزية، لكن هذا السلوك قد يتحول أحيانًا إلى عادة اجتماعية لا ضرورة لها.
ويرى بعض خبراء التواصل أن الإنسان يبدع ويتفاعل عاطفيًا بأقصى طاقته عندما يتحدث بلغته الأم.
فاللغة ليست كلمات فحسب، بل حاملة للروح الثقافية والتعابير الإنسانية التي يصعب نقلها بالكامل إلى لغة أخرى.
وتبرز أهمية اللغة الأم بشكل أوضح لدى بعض الأسر العربية في الغرب، حيث ينشأ بعض الأبناء دون إتقان العربية.
في المقابل، نجد كثيرًا من الجاليات الآسيوية يحرصون على أن يتعلم أبناؤهم لغتهم الأصلية إلى جانب لغة المجتمع الجديد، إدراكًا منهم أن اللغة ليست مجرد مهارة، بل جزء من الهوية.
المفارقة أن الدراسات العلمية تشير إلى أن تعلّم لغتين في سن مبكرة يمنح الطفل مزايا معرفية مهمة.
فالدماغ في مرحلة الطفولة يتمتع بمرونة عالية تسمح بإنشاء شبكات عصبية متداخلة للغات المختلفة.
وقد يتأخر الطفل ثنائي اللغة قليلًا في النطق، لكنه يكتسب في المقابل قدرة أكبر على التركيز والتبديل بين المهام ومعالجة المعلومات بكفاءة أعلى.
وفي السنوات الأخيرة دخلت التكنولوجيا على الخط بقوة.
فقد ظهرت تطبيقات وأجهزة قادرة على الترجمة الفورية بين عشرات اللغات؛ يكفي أن يتحدث الإنسان في هاتفه أو سماعته الذكية حتى تتحول كلماته فورًا إلى لغة أخرى.
هذه التقنيات فتحت أبواب التواصل أمام ملايين الناس، وسهّلت السفر والعمل والتجارة عبر الحدود.
لكن هذه السهولة لا تعني أن التكنولوجيا يمكن أن تحل محل تعلم اللغة بالكامل.
فالأجهزة تستطيع ترجمة الكلمات، لكنها لا تنقل دائمًا الإيحاءات الثقافية أو الخلفية الاجتماعية للكلام.
كما أن الاعتماد الكامل على الترجمة الفورية قد يحرم الإنسان من فهم أعمق لعقلية الطرف الآخر.
لهذا يبقى تعلم لغة ثانية استثمارًا ثقافيًا وفكريًا قبل أن يكون مهارة عملية.
فاللغة توسّع آفاق الإنسان وتجعله أقرب إلى فهم العالم من حوله.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يكون هذا الانفتاح على حساب اللغة الأم، التي تحمل ذاكرة المجتمع وروحه.
وفي زمن العولمة، ربما تكمن الحكمة في التوازن: أن نفتح عقولنا للغات العالم، وأن نحافظ في الوقت ذاته على لغتنا التي تمنحنا جذورنا وهويتنا.
فالإنسان الأكثر ثراءً هو من يستطيع أن يعبر إلى العالم بلغات متعددة، دون أن يفقد صوته الأول.
مدير أول سابق بغرفة تجارة وصناعة البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك