في عالم يعتمد بشكل متزايد على الترابط الاقتصادي وسلاسل الإمداد العابرة للحدود، لم تعد الأزمات الجيوسياسية مجرد أحداث سياسية عابرة، بل أصبحت عوامل مباشرة تعيد تشكيل حركة التجارة العالمية وتكاليفها، فاضطرابات الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، حتى وإن انتهت سياسيا أو شهدت تهدئة مؤقتة، تترك وراءها آثارا ممتدة تمتد إلى الشحن والتأمين والتعاقدات طويلة الأجل.
من جانبها، تقول الدكتورة مها الشيخ، أستاذ سلاسل التوريد والدعم اللوجستي الرقمي، إن التهدئة في الأزمات الجيوسياسية مثل اضطرابات مضيق هرمز لا تعني بالضرورة انتهاء تأثير الأزمة على التجارة العالمية، موضحة أن ما يحدث فعليا هو انتقال الضرر من مرحلة الخطر المباشر إلى ما وصفته بـ«الأثر الممتد»، الذي يظل حاضرا في التكاليف والتعاقدات وسلاسل الإمداد لفترات طويلة.
الأثر الممتد للأزمات على سلاسل الإمدادوأوضحت «الشيخ» في تصريحات خاصة لـ«الوطن»، أن الأزمة لا تتوقف عند استقرار الأوضاع السياسية، بل تستمر انعكاساتها عبر ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وزيادة مستويات عدم اليقين في جداول التسليم، لجانب ارتفاع الحاجة للمخزون الاستراتيجي وإعادة توجيه الشحنات، وأضافت أن هذه العوامل تخلق ضغطًا مستمرًا على الشركات حتى بعد انتهاء التوترات.
وأشارت إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفر السلع فقط، بل في «كلفة المخاطر» المضافة على كل مرحلة من مراحل سلسلة التوريد، موضحة أن الدول المستوردة قد تواجه ارتفاع في الأسعار المستقبلية حتى مع استقرار الإمدادات، بسبب تراكم علاوات المخاطر واضطرابات النقل والتأمين.
البدائل اللوجستية وحدود القدرة الاستيعابيةوقالت أستاذ سلاسل التوريد إن البدائل اللوجستية مثل المسارات البرية أو الموانئ البديلة قد تساعد في تخفيف الضغط، لكنها لا تعوض القدرة الاستيعابية أو الكفاءة التشغيلية لممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، مشيرة إلى أن البدائل غالبا ما تأتي بكلفة أعلى وزمن أطول، ما يعمّق تحديات الكفاءة.
وأضافت أن الأزمة تكشف بوضوح أن الاعتماد على مسار توريد واحد أو مورد محدود يزيد من هشاشة الأنظمة اللوجستية، مؤكدة أن التنويع والمرونة أصبحا عنصرين أساسيين في أمن سلاسل التوريد وليس مجرد خيارات إدارية.
وأوضحت الشيخ أن أزمة هرمز تختلف جذريا عن جائحة كورونا، حيث كانت الأخيرة صدمة شاملة عطلت الإنتاج والطلب عالميا، بينما تمثل أزمة هرمز صدمة جيوسياسية تضغط على التدفقات والطاقة والتأمين، دون توقف كامل للسلاسل، لكنها تعيد تسعير المخاطر بشكل سريع وواسع.
البعد الإنساني والقانوني في حركة التجارةوأكدت أن قرارات الملاحة لا تخضع للاعتبارات التجارية فقط، بل تشمل عوامل السلامة البحرية، وحماية الطواقم، والتأمين، والامتثال القانوني، وهو ما يفسر تباطؤ الحركة أو ارتفاع الحذر في بعض الممرات الحيوية.
واختتمت الشيخ تصريحاتها بالتأكيد على أن الأزمات الجيوسياسية لا تؤدي دائما إلى انهيار سلاسل التوريد، لكنها تفرض واقع جديد يقوم على تكلفة أعلى وموثوقية أقل، مشددة على أن السؤال الأهم لم يعد «هل تصل البضائع؟ » بل «بأي كلفة ودرجة يقين واستمرارية؟ ».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك