لم تعد العودة إلى سوريا، بالنسبة لعدد كبير من السوريين المقيمين في مصر، مرتبطة فقط بالرغبة في الاستقرار أو إنهاء سنوات الغربة، بل أصبحت مرتبطة بقدرة العائلة على تحمّل تكاليف البداية من جديد.
فالعائلة التي لا تملك منزلاً داخل سوريا تجد نفسها أمام التزام مادي كبير يبدأ مباشرة بعد الوصول، ويُعدّ السكن أهم هذه الالتزامات.
في كثير من المدن والمناطق السورية، بات العثور على منزل بإيجار مناسب أمراً صعباً، خصوصاً في المناطق التي تشهد عودة كثيفة أو تلك التي بقيت فيها الخدمات مقبولة نسبياً.
ويصل إيجار بعض المنازل المتوسطة إلى نحو 300 دولار شهرياً، في حين يطلب كثير من أصحاب المنازل دفع عدة أشهر مقدّماً، قد تصل إلى ستة أشهر أو أكثر.
هذا يعني أن العائلة قد تضطر إلى دفع ما يقارب 1800 دولار أميركي دفعة واحدة فقط للحصول على منزل، قبل أن تبدأ بأي مصاريف أخرى.
كما أن بعض أصحاب العقارات يشترطون دفع مبلغ إضافي كتأمين أو إجراء إصلاحات بسيطة داخل المنزل قبل السكن.
يقول رغيد الأسعد، وهو سوري مقيم في مصر منذ سنوات ويخطط للعودة إلى ريف دمشق: " كنت أظن أن تكاليف السفر هي الجزء الأصعب، لكن عندما بدأت أسأل عن البيوت اكتشفت أنني بحاجة إلى مبلغ كبير فقط لكي أستطيع استئجار المنزل.
أغلب المالكين يطلبون دفعات مسبقة، وبعضهم يريد الإيجار بالدولار.
"منازل مدمّرة وعائلات تبدأ من الصفرجزء كبير من السوريين الذين يفكرون في العودة لا يملكون خيار السكن في منازلهم القديمة، إما لأن هذه المنازل تعرضت للدمار، أو لأنها أصبحت غير صالحة للسكن، أو لأن أصحابها كانوا يعيشون بالإيجار حتى قبل مغادرتهم بلدهم.
وهذا الواقع يجعل العودة أكثر صعوبة، لأن الأسرة لا تحتاج فقط إلى منزل، بل تحتاج إلى إعادة بناء حياتها بالكامل.
فالعائلة التي خرجت من سوريا قبل سنوات طويلة قد لا تجد أي شيء بانتظارها عند العودة، وقد تضطر للبدء من نقطة الصفر تماماً.
تقول مها زين الدين، وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في مدينة السادس من أكتوبر: " منزلنا في ريف حلب تعرض لدمار كبير، وحتى لو عدنا لا يمكن أن نسكن فيه، لذلك نحن مضطرون لاستئجار بيت جديد، لكننا لا نملك المبلغ الكافي لدفع الإيجار ومقدّم ستة أشهر، نحن بالكاد نستطيع دفع إيجارنا كل شهر.
"الكهرباء تضيف عبئاً جديداًحتى بعد العثور على منزل، تظهر مشكلة أخرى تتعلق بالكهرباء، ففي عدد كبير من المناطق السورية لا تزال ساعات التغذية الكهربائية محدودة، وهو ما يدفع كثيراً من العائلات إلى شراء ألواح الطاقة الشمسية أو بطاريات وإنفرترات لتأمين الحد الأدنى من الكهرباء داخل المنزل.
هذه التكاليف لا تُعدّ بسيطة بالنسبة للعائدين من ذوي الدخل المحدود، خاصة أن الأسرة تحتاج إلى تشغيل البراد والإنارة وشحن الهواتف وتشغيل بعض الأجهزة الأساسية، لذلك تضطر بعض العائلات إلى شراء ألواح طاقة صغيرة أو بطاريات، بينما يتجه آخرون إلى تركيب منظومات أكبر إذا كانت لديهم القدرة المالية.
ويقول حسام الحاج، وهو شاب عاد مؤخراً إلى سوريا بعد سنوات قضاها في مصر: " بعد أن استأجرنا المنزل كانت الكهرباء تأتي لساعات قليلة فقط، واضطررنا لشراء بطارية وإنفرتر حتى نستطيع تشغيل البراد والإنارة.
هذه المصاريف لم تكن في حسابنا عندما عدنا.
"فرش المنزل يحتاج إلى ميزانية مستقلةفئة من العائلات التي تعود إلى سوريا لا تستطيع نقل أثاثها من مصر بسبب ارتفاع تكاليف الشحن وصعوبة النقل، لذلك تضطر إلى شراء احتياجات المنزل من جديد، وهذا يشمل الأسرة والفرش وأدوات المطبخ وغيرها من الأساسيات.
ورغم أن بعض العائلات تحاول الاكتفاء بالحد الأدنى في البداية، فإن تجهيز منزل فارغ يبقى مكلفاً للغاية، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الأثاث والأجهزة المنزلية في سوريا مقارنة بمصر، كما أن كثيراً من المنازل المعروضة تكون خالية تماماً من أي تجهيزات.
يقول محمد جمعة، وهو أب لطفلين يعيش في القاهرة: " حتى لو وجدنا منزلاً مناسباً، نحن بحاجة لآلاف الدولارات حتى نفرشه.
لا يمكن العيش من دون أدنى مقومات الحياة، وكل هذه أصبحت أسعارها مرتفعة، كما أنني حتى لو بعت فرشي في مصر، لن يوفّر لي هذه المبالغ.
"كلفة العودة تبدأ قبل الوصولالمصاريف لا تبدأ بعد الوصول إلى سوريا فقط، بل تبدأ منذ لحظة اتخاذ قرار العودة، فالسوريون الذين يسافرون براً من مصر يحتاجون إلى دفع تكاليف النقل، التي قد تصل إلى 200 دولار للفرد الواحد.
أما من يختار السفر جواً، فإنه يواجه أسعار تذاكر مرتفعة نسبياً، خاصة إذا كانت الأسرة مكوّنة من عدة أفراد.
وفي كثير من الحالات، تجد العائلة نفسها مضطرة لدفع آلاف الدولارات فقط للوصول إلى سوريا، قبل أن تبدأ بدفع باقي مصاريف البدء من جديد.
وتوضح ريم حسين، وهي سورية مقيمة في مدينة العبور: " نحن خمسة أفراد، مهما كانت طريقة السفر سنحتاج إلى مبالغ كبيرة، وهي ما يؤخرنا عن العودة، لأننا لا نستطيع توفيرها.
".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك