كتب ديفيد إغناطيوس في مقاله قبل أيام بصحيفة واشنطن بوست" أن الولايات المتحدة دولة محاربة تخوض نصيباً وافراً من الصراعات، لكنها في الوقت ذاته دولة متسرعة تضيق ذرعاً بالالتزامات الخارجية المُرهقة؛ وهو مزيج مأزوم تفاقم بوضوح في عهد ترمب.
فبينما برع الأخير في الجوانب البراقة لبدايات الحروب أو نهاياتها، فإنه يفتقر إلى النَفَس الاستراتيجي الطويل الذي يتطلب الصبر، والقوة العسكرية المدروسة، والدبلوماسية الدقيقة" على حد قوله.
وأنا أتفق مع هذه المقولة، وفي الحقيقة هذه معضلة حقيقية تضع السعودية ودول الخليج العربي أمام امتحان تاريخي؛ إذ لا بديل عن ممارسة دبلوماسية ضاغطة لضمان بقاء المهمة الأمريكية موجهة نحو الحسم العسكري خصوصا تحرير مضيق هرمز، بالتوازي مع العمل الدؤوب على بناء إجماع دولي وتشكيل تحالف واسع لكسر هذا النظام وإنهاء تهديداته للأبد.
ترمب يواجه اليوم حزمة من التحديات المعقدة والمنغصات التي تعيق تحركاته، تأتي في مقدمتها الجبهة الداخلية حيث يتعرض لحرب إعلامية شرسة تقودها منصات إعلامية كبرى تهدف لصناعة صورة الفشل وربطها بترمب.
فقد أفردت صحيفة نيويورك تايمز مساحات واسعة لأصوات تتقاطع مصالحها مع النظام الإيراني، محاولةً تصوير العملية العسكرية كإخفاق عسكري كبير ومغامرة غير محسوبة.
وفي سياق تأليب الرأي العام، اختارت مجلة تايم لغة بصرية رمزية بصورة تُظهر ترمب تائهاً في التضاريس الجغرافية الإيرانية بحثاً عن مخرج، بينما استعانت الإيكونومست برؤى وتحليلات صينية لتصنيف التحركات الأمريكية كخطيئة استراتيجية فادحة.
حتى الوول ستريت التي تتعاطف مع الجمهوريين وصفت توقف العملية العسكرية دون تحرير مضيق هرمز بالخسارة.
وفي الحقيقة تزداد هذه الضغوط تعقيداً مع تصاعد الهواجس الاقتصادية، وارتفاع أسعار النفط، وضيق الهامش الزمني مع اقتراب الانتخابات النصفية الحاسمة.
أما على الصعيد الخارجي، فيصطدم ترمب بعجز أوروبي متعمد في حسم المواجهة مع طهران، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات جوهرية حول مواقف الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو: هل هذا التخاذل مجرد قصور في الإرادة، أم هو تكتيك متعمد لإطالة عمر النظام الإيراني أو محاولة التأثير على فرص الجمهوريين في الانتخابات النصفية؟لا أعرف، لكن توماس فريدمان الخبير بأوضاع الشرق الأوسط قد كشف عن هذا التناقض الأخلاقي وقالها بوضوح في مقابلة على السي إن إن: " هزيمة النظام الإيراني ستكون حاسمة لمستقبل الشرق الأوسط ويأمل في هزيمة هذا النظام لكنه لا يريد أن يرى ترمب ونتنياهو قد حققا هذا النصر الكبير".
هذا التكالب الإعلامي الممنهج، وما يرافقه من عجز أوروبي متعمد، يبرهن على ضرورة الاصطفاف خلف تحرك ترمب في مواجهته الحاسمة ضد أسوأ الأنظمة على وجه الأرض.
الوقوف في هذا الخندق هو الانحياز الحقيقي لمستقبل شعوب المنطقة، والسبيل الوحيد لانتزاع مخالب نظامٍ تخصص في تصدير الخراب، وتفويت الفرصة على محاولات إبقاء هذا التهديد الوجودي جاثماً على صدورنا.
المتابع لوتيرة التسلح الإيراني، من" مدن الصواريخ" إلى العقيدة التوسعية، يُدرك أن السلاح النووي كان القطعة الوحيدة الناقصة لإطلاق حرب شاملة للاستيلاء على الخليج، وهو ما استوجب التحرك الأمريكي الراهن.
لكن الخطورة الكبرى اليوم تكمن في تكرار أخطاء الماضي؛ فخطر إنهاء العملية العسكرية قبل وقتها أو الاكتفاء بضربات جراحية فقط يعيد إلى الأذهان وبقوة عملية ثعلب الصحراء عام 1998.
ففي ليلة 16 ديسمبر من ذلك العام، انطلقت العملية ب 415 صاروخ كروز" توماهوك" وأكثر من 600 طلعة جوية استهدفت 100 موقع عراقي بهدف" إضعاف" قدرة النظام العراقي على إنتاج أسلحة الدمار الشامل المزعومة.
ورغم نجاح العملية تكتيكياً في تدمير المنشآت، إلا أنها فشلت استراتيجياً؛ فقد ظل النظام قائماً وازداد تشدداً، مما جعل مواجهة 2003 حتمية تاريخية لا مفر منها رغم الجدل الكبير حول هذه العملية، والفارق الخطير بين إيران اليوم والعراق في تلك الفترة.
اليوم، ومع تحول العمليات الأمريكية ضد العمق الإيراني من استهداف موضعي للمنشآت النووية عام 2025 ثم عودتها إلى عملية عسكرية أخرى واستنزاف عسكري متواصل منذ ما يزيد عن شهر، نجد أنفسنا أمام استنساخ تاريخي لسياسة الضربات المحدودة.
هذه الاستراتيجية التي تسعى لتحجيم القدرات دون إنهاء الأزمة، تعيدنا إلى المربع الأول الذي حاصر بيل كلينتون وتوني بلير من قبل.
لذا، فإن مقتضيات المسؤولية العسكرية اليوم تفرض ألا يهنأ للمسؤولين في الخليج جفن حتى يتم التخلص من هذا الخطر المارق بشكل جذري، حمايةً للمنطقة من سيناريو البقاء في حالة استنفار دائم لحرب محتملة كل عامين.
خصوصاً وأن إسرائيل تشترط لموافقتها على أي مفاوضات أن تمنحها حرية العمل ضد النظام مع تصريحات نتنياهو بأن العملية العسكرية لم تنتهِ بعد.
وهناك مقولة شهيرة وهي أن النظام الإيراني ينتصر في المفاوضات ويخسر في المواجهات العسكرية، هذه حقيقة وهذا ما تعلمناه من سلوك النظام في المنطقة منذ عقود وهو ما تدركه إدارة ترمب جيداً.
بمعنى آخر، بقاء النظام وفي يده مضيق هرمز هي معضلة حقيقية تهدد استقرار المنطقة، وخسارة استراتيجية كبرى لإدارة الرئيس ترمب قد تمتد آثارها لتكلف الحزب الجمهوري ثمناً باهظاً على الصعيد الداخلي، وتزعزع هيبة الولايات المتحدة خارجياً.
وقد كان محقاً السيناتور الديمقراطي مارك كيلي عندما قال: " لقد نجح ترمب فقط في تسليم مضيق هرمز لأيدي الحرس الثوري في إيران".
لكن في ظني أنه من غير المتوقع أن يقبل ترمب، بمنهجه القائم على الحزم وتأمين المصالح القومية، بوضع تفرض فيه إيران هيمنتها على هذا الشريان الحيوي، أو تذهب بعيداً في غيها عبر محاولة فرض رسوم عبور غير قانونية؛ وهو أمر يجب على النظام في طهران إدراكه بعناية، إذ إن كلفة إسقاطه باتت في الحسابات الجيوسياسية الراهنة أقل بكثير من كلفة بقائه مسيطراً على المضيق ومتحكماً في أمن الطاقة العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك