في زاكورة، حيث تختنق الواحات بصمت ويذبل النخيل تحت شمس قاسية بلا رحمة، يُقام “ملتقى” أو “مهرجان” يُفترض أنه من أجل الواحة.
لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع ويتجاهلها المنظمون هي أن الواحة لا تحتاج منصات وخطابات، بل تحتاج شيئاً واحداً فقط: الماء.
منذ البداية، كان واضحاً أن هناك ارتجالية في التنظيم؛ شعارات كبيرة ووعود أكبر، لكن على أرض الواقع لا شيء يتغير.
نفس الوجوه، نفس الكلمات، ونفس الندوات التي تُعاد كل سنة وكأن الهدف ليس إنقاذ الواحة، بل فقط تنظيم حدث عابر يُستهلك إعلامياً.
الفلاح الواحي، الذي يُفترض أن يكون في قلب هذا الملتقى، غائب.
ليس لأنه غير مهتم، بل لأنه يفهم جيداً أن هذه التظاهرات لا تعنيه؛ فهو لا يحتاج إلى من يشرح له مهنته، ولا إلى محاضرات داخل قاعات مكيفة.
هذا الفلاح هو ابن الواحة، وُلد فيها وتعلم منها، ويعرف تفاصيلها أكثر من أي خبير قادم من خارجها.
داخل الواحة وتحت ظل النخيل، هناك علم حقيقي لا يُدرّس في الجامعات؛ هناك تجربة متوارثة وفهم عميق للأرض والماء والمناخ.
الفلاح الواحي لا يحتاج شهادة ليُثبت كفاءته، فهو دكتور بطبيعته، وماجستير بتجربته، وخبير بتاريخه.
المشكلة ليست في نقص الندوات، بل في غياب الحلول الحقيقية.
الواحة لا تحتاج مؤتمرات، بل تحتاج ماء السدود، وحفر الآبار، وحلولاً عاجلة ومستدامة للتزود بالماء، وقرارات ميدانية لا خطابات نظرية.
إن كل درهم يُصرف على منصة أو مكبر صوت، كان يمكن أن يُستثمر في بئر، أو قناة ماء، أو مشروع يُعيد الحياة لشجرة نخيل تحتضر.
نحن لسنا ضد التنظيم ولا ضد المهرجانات في حد ذاتها، لكن عندما يكون كل شيء في مكانه الطبيعي، وحين يعيش كل قطاع حقه ويؤدي واجبه، وحين تُنقذ الواحة فعلاً من الموت، آنذاك فقط يمكن أن تصبح الواحة نفسها مهرجاناً حقيقياً.
أما أن تموت الواحة ونقيم لها مهرجاناً، فذلك ليس احتفالاً، بل هو نفاق مُقنّع.
ثم نسأل بكل جرأة: أي جهة ستخرج ببيان ختامي وتحدثنا عن نجاح هذا الملتقى؟ وأي إيجابية حقيقية تحققت على الأرض؟ أي إعلام محلي يمكن أن نثق به إذا قال إن كل شيء مرّ جميلاً وبسلام؟ وأي مسؤول إقليمي يمكن أن يُقنعنا أن الوضع بخير؟أين هو الفلاح الذي قال لكم إن كل شيء جميل؟ وأين هي المرأة الواحية التي صرّحت أن الواحة أُنقذت؟ وأين هو الشاب الذي قرر العودة إلى أرضه بعد أن استعاد الأمل بدل الهجرة إلى مدن الساحل؟ وأين هو المستثمر الذي قال إن الواحة أصبحت أرضاً صالحة للاستثمار؟ أين… وأين.
وأين.
؟نحن لا نرى إلا صمتاً ثقيلاً وواقعاً يزداد قسوة.
ونحن أبناء الجبال وجيران الواحة، نقولها بصدق وبالدارجة الواحية: “الله يغفر لكم والله يعطينا وجهكم” لكل من كانت له مسؤولية في إنقاذ الواحة ولم يفعل؛ لأن الواحة لا تُنقذ بالشعارات، ولا تُبعث من جديد بالتصفيق، بل تُنقذ حين يعود إليها الماء، وحين يسمع الناس من جديد خرير الحياة بين نخيلها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك