كان الوزير أبو يحيي بن عاصم الغرناطي المتوفى عام ٨٥٧هـ/ الموافق عام ١٤٥٣م فقيهًا وقاضيًا ومفتيًا وشاعرًا، وقد عاش الرجل في غرناطة في أواخر عصر سيادة المسلمين بالأندلس، في ظل فترة حكم سلطانه أبي عبدالله محمد الملقب بالأيسر، والذي كان أميرًا صارمًا سيء الخلال، مُتعاليًا على أهل دولته، وهي جميعها صفات تعبر عن نمط من الحكام لا يستقيم معهم بقاء الدولة مع تكاب الأعداء من كل جانب.
كان ابن عاصم قاضيًا للجماعة في غرناطة، وصاحب ثقافة موسوعية في الفقه والقضاء والأدب وكتابة الرسائل وغير ذلك كثير مما أفاضت فيه الكتابات التاريخية؛ ولم يُعرف عنه وصفه بالمؤرخ على نحو ما كان عند ابن حيان وابن حزم وابن الخطيب وغيرهم من أعلام مؤرخي الأندلس، إلا أن كتابه «جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى»، يُعطيه هذه الصفة عن جدارة واستحقاق، فضلا عن أن الكتاب يجسد نموذجًا لأدب المحن والابتلاءات التي شهدتها الأندلس في عصرها الأخير قبل السقوط في أيدي الإسبان.
وكتاب «جنة الرضا» المذكور هنا يعبر عن حالة من التفسير الديني لدى مؤلفه، وعن نزعة استسلامية لقضاء الله تعالى وقدره، وقد ورد في حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أرض بما قسمه الله لك تكُن أعبد الناس».
والحق أن ابن عاصم لم تُصبه هذه النزعة - وهي ليست عيبًا - إلا بعد أن أخذ بالأسباب، لقد بُح صوته من أجل السعي إلى وحدة البلاد ونبذ الفرقة والانقسام، والنزاع على السلطة والرغبة في الوصول إلى الحكم، والتنديد والشجب بما يفعله أمراء غرناطة في اللجوء إلى ممالك إسبانيا النصرانية طلبًا للعون والمساعدة في الوصول إلى سُدة الحكم على حساب بعضهم البعض، وقد يكون في هذا ما يعني أن العلة في الأندلس جاءت من حكامها بما أدى إلى شيوع الفوضى في البلاد، وهي التي لايستقيم معها بقاء الدولة.
ورغم أن ابن عاصم دعا الله - سبحانه وتعالى - أن يلهمه الرضا بما قدر وقضى، وكأنه كان يقرأ حُجب المستقبل، إلا أنه - وهو صاحب القلم والفكر، ومن بيت فقه وعلم ودين - أخذ يذكر بني وطنه بأهمية وحدة البلاد والعباد، مستشهدًا في ذلك بقول الحق سبحانه وتعالى «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا».
كان ابن عاصم يرى أن الأمة يجب أن تتحمل مسؤوليتها أمام الله وأمام التاريخ، وأن ما يحل بالأمم من ذنوب ماه و إلا نتيجة لما كسبت أيديهم، مستشهدًا بقول الحق سبحانه وتعالى: «واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب».
والحق أن ابن عاصم قد آيس من العباد، حُكاماُ ومحكومين، فكان من الطبيعي أن يلجأ إلى رب العباد، مُبديا زفرة من الأسى والحسرة والألم على ما وصل إليه الحال، مُبديًا شعوره بالتشاؤم من كثرة الشر وازدياده، واضمحلال الخير وانتقاصه، مستشهدًا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «خير القرون قرني، ثم الذي يلونهم، ثم الذي يلونهم»، وهي رؤية مردها إلى تعدد سلبيات عصره ويأسه من أوضاع البشر.
وفضلا عن ذلك فقد عانى الرجل من السجن والنفي خارج البلاد، مثلما تعرض والده (أبوبكر بن عاصم) من قبل، وآثر ابن عاصم الابن الاختفاء في دار أحد أصحابه المقربين في أعقاب نكبة أبيه، وأصابته شرقة في مجرى تنفسه كادت أن تٌعجل بوفاته لولا أن لجأ إلى قوله سبحانه وتعالى «أمن يجيب المضطر إذا دعاه» وكانت خشيته على صديقه الذي أخفاه أكثر من خشيته على نفسه حتى لا ينكشف أمره، ويتم سجنه هو الآخر، وهو ما يجسد حالة من التفسير النفسي، ومعاناة النفس الإنسانية من الظلم والاغتراب النفسي، لذا آثر الرجل أن يبنى جنته الخاص، جاعلاً من الرضا بقضاء الله وقدرة أساسًا لهذه الجنة.
والاغتراب هو البعد عن الأهل والوطن، وقد عانى منه ابن عاصم معاناة شديدة، وقام هو نفسه بالتعريف بالاغتراب ضمن كتابه «جنة الرضا في التسليم لما قدر الله وقضى» تعريفًا وافيًا يشهد بثقافته النفسية والدينية، ويضيف إلى كتابه بعدًا جديدًا في التفسير الديني والنفسي للحدث التاريخي، وما يتركه من آثار سوء على الشخصية أوضحها ابن عاصم في تجسيده لمشهد وداع أولاده الصغار وذريته، وكان من أثر ذلك عليه «أن رحل عن وطنه طائشا لُبه، منتزعا من بين جنبيه قلبه»على حد قوله.
وفي ذلك ما يعني أن السجن والنفي من الأمور التي أدت إلى اغتراب النفس الإنسانية عند ابن عاصمم، حتى وهي ضمن حدود وطنها، فغربة النفس أقسى من غربة البدن أحيانا.
فمابالكم إذا اجتمع الاثنان على المرء؟ !!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك