الكتابة.
ألمٌ ينجينا من الأذىتبدأ الكتابة أحيانًا من نقطة حسّاسة في الداخل، من مكان لا يُرى لكنه يُشعِر بثقله، كأن فكرة صغيرة تضغط على الروح حتى تُجبِرها على الإفصاح.
لا تأتي كترف، ولا كخيار جمالي محض، بل كاستجابة شبه قسرية لما يتراكم في الداخل من مشاعر وأسئلة وارتباكات.
ولهذا، فإنها تُرهِق، وتُتعب، وتستنزف شيئًا من طاقة صاحبها، لكنها في الوقت ذاته تُبقيه في مأمن من انهيار أعمق، من ذلك الأذى الذي لا يمكن ترميمه بسهولة.
الفرق بين الألم والأذى ليس لغويًا فقط، بل وجودي أيضًا.
الألم حالة عابرة مهما طالت، يمكن احتمالها، ويمكن حتى ترويضها حين تُفهم وتُفكك وتُروى.
أما الأذى، فهو ما يترك أثرًا غائرًا، ما يُفسد التوازن الداخلي، ويُربك علاقة الإنسان بنفسه وبالعالم.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو الكتابة وكأنها حليف خفيّ للألم، تعمل على احتوائه قبل أن يتضخم ويصير أذى.
حين يكتب الكاتب، فهو لا يصف فقط ما يشعر به، بل يعيد تشكيله.
الألم الخام، حين يبقى حبيس الداخل، يميل إلى التوحش، وإلى اتخاذ أشكال مبهمة قد تترجم إلى قلق أو غضب أو انطفاء.
أما حين يُسكب في اللغة، فإنه يكتسب حدودًا، فيصير قابلاً للرؤية وللتأمل، وربما قابلاً للمصالحة.
الكتابة هنا لا تمحو الألم، لكنها تمنحه معنى، وهذا المعنى هو ما يخفف وطأته.
الكتابة ليست عملية مريحة، ولا حتى متوازنة دائمًا.
هناك لحظات يُضطر فيها الكاتب إلى مواجهة ما كان يهرب منه، أي إلى إعادة فتح جروح ظن أنه تجاوزها، وإلى تسمية أشياء ظلّت بلا أسماء.
وهذا الفعل بحد ذاته موجع، لأنه يقتضي شجاعة داخلية لا تتوافر في كل وقت.
ومع ذلك، فإن هذا الألم يظل نظيفًا، إن جاز التعبير، لأنه يمر عبر وعي يقظ ولغة تضبطه وتعيد ترتيبه.
في المقابل، ينشأ الأذى غالبًا حين يُقمع الألم أو يُهمل أو يُساء فهمه.
حين يُطلب من الإنسان أن يتجاوز ما لم يفهمه بعد، أو أن ينسى ما لم يُعطه حقه من التأمل، فإنه يدفع الثمن لاحقًا بشكل أكثر قسوة.
هنا تصبح الكتابة، مرة أخرى، ضرورة وليست ترفًا.
إنها وسيلة لإعطاء كل تجربة حقها من الانتباه، ولكل شعور حقه من الاعتراف.
الكاتب لا يخرج من الكتابة كما دخلها.
هناك شيء ما يتبدل في داخله، حتى لو لم يكن واضحًا على الفور.
ربما يهدأ، وربما يزداد وعيًا، وربما يكتشف زوايا لم يكن يراها من قبل.
وهذا التحول، مهما بدا بسيطًا، يحميه من الانزلاق إلى مناطق أكثر خطورة.
والألم الذي يُكتب يُدار ويُراقَب، بينما الأذى الذي يُهمل يتكاثر في الظل.
ومن جهة أخرى، تمنح الكتابة صاحبها مسافة ضرورية بينه وبين تجربته.
حين تتحول المشاعر إلى كلمات، لم تعد جزءًا ملتصقًا به بالكامل، بل صارت شيئًا يمكن النظر إليه من الخارج، يمكن إعادة قراءته، يمكن حتى نقده.
هذه المسافة تمنح نوعًا من الحرية، وتُخفف من سطوة اللحظة، وتجعل التجربة أقل قسوة مما كانت عليه في بدايتها.
ولعل أكثر ما يُحسب للكتابة أنها لا تدّعي الشفاء الكامل.
فهي لا تعد صاحبها بأن يخرج سالمًا تمامًا، لكنها تضمن له ألا يضيع في متاهة غير مفهومة.
الألم يبقى، نعم، لكنه يتخذ شكلًا يمكن العيش معه، فيمكن احتماله، ويمكن أحيانًا تحويله إلى جمال.
وهذا التحويل ليس تزيينًا للحقيقة، بل إعادة صياغة لها بما يسمح باستمرار الحياة.
لهذا، تبدو الكتابة كفعل مقاومة هادئ، لا يرفع شعارات، ولا يسعى إلى بطولات، لكنه يُنجز ما هو أعمق من ذلك.
هي طريقة للبقاء، للبقاء فقط، وهذا في حد ذاته إنجاز كبير.
أن تظل قادرًا على التعبير، على التفكير، على تحويل ما يؤلمك إلى نص، فهذا يعني أنك لم تُهزم بعد.
إذن، يمكن القول إن الكتابة لا تُلغي الألم، ولا ينبغي لها أن تفعل، لكنها تمنعه من أن يتحول إلى أذى.
وهذا الفرق الصغير في ظاهره، هو ما يصنع كل هذا الفرق في الداخل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك