الهجوم الإسرائيلي - الأمريكي على إيران استمر 40 يوماً، وكذلك الضربات الإيرانية على دول الخليج استمرت نفس الفترة، وكادت تتحول المنطقة لكرة لهب تحرق الشرق الأوسط بالكامل -عدا إسرائيل- لكن ربنا ستر واتفقت أمريكا وإيران على وقف الحرب في المنطقة لمدة أسبوعين لإبرام اتفاق لإنهاء الحرب، قبل انتهاء المهلة التي منحها ترامب لطهران بساعتين لتنفيذ تهديده بإنهاء الحضارة الفارسية إلى الأبد وتحويل إيران إلى العصر الحجري.
كلا الطرفين جلس على مائدة المفاوضات وهو يصدر لشعبه أنه هو المنتصر، وأنه هو من أجبر الطرف الآخر على وقف الحرب، وإذا كان العالم بأسره استحسن هذه الخطوة -رغم هشاشتها وعدم اليقين بنجاحها- لأنها فرصة لالتقاط الأنفاس، إلا أن إسرائيل تفردت برفض وقف الحرب، وضربت لبنان بغارات موجعة، على الرغم من أن وقف الحرب كان يشمل المنطقة كلها، طبقاً لتصريحات المسؤولين في باكستان، التي تستضيف المفاوضات وتقوم بدور الوساطة.
ولأن إسلام آباد تملك سلاحاً نووياً فإن إسرائيل عجزت عن إفساد المفاوضات بضرب الوفد الإيراني، كما فعلت مع وفد حماس أثناء مفاوضات وقف النار في غزة!ولذا لم تجد وسيلة لإفساد المفاوضات الأمريكية الإيرانية، إلا من خلال إعادة قضية «إبستين» إلى الساحة مرة أخرى للضغط على ترامب باستئناف الحرب، بعد أن توارت هذه القضية خلال 40 يوماً فترة الحرب، ولأن هناك رأياً عاماً أمريكياً رافضاً لاستمرار الحرب، وكل الجهود مسخرة لإنهائها، فأوعزت إلى ميلانيا زوجة ترامب بعقد مؤتمر صحفي-دون علم زوجها وعلى غير رغبته- لإعلان براءتها من علاقتها بإبستين، بل إنها طالبت في بيانها الصحفي بأن يتم استئناف التحقيقات في هذه القضية -التي تعلم أن زوجها متورط فيها- لتصبح ورقة ضغط مرة أخرى، ولدفع ترامب إلى «التلكيك» للوفد الإيراني وإفشال المفاوضات.
وظني أن هذا ما دفع وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف -المشارك في المفاوضات- أن يكتب على منصة إكس يقول: «إسرائيل شر ولعنة على البشرية، فبينما تجرى مباحثات السلام في إسلام آباد، تقوم بارتكاب إبادة جماعية في لبنان، أدعو الله أن يعاقب من أنشأوا هذه الدولة الخبيثة أشد عقاب».
كنا أمام مباحثات سلام ستغير شكل المنطقة تماماً إلى الأفضل إذا نجحت، وكانت عناصر النجاح -الأولية- موجودة، حيث إن الوفدين -الإيراني والأمريكي- كانا على أعلى مستوى من التمثيل، لأول مرة تكون المباحثات مباشرة، وبدا وجود رغبة مشتركة وحاجة ملحة من الطرفين والوسطاء لإنهاء الحرب.
وبقى عامل الفشل الوحيد المتمثل في عدم رغبة إسرائيل في السلام، لأن توقف ضرب النار يعني إفساد خطتها التي رسمتها منذ أن أشعلت الحرب، والتي طبقت فيها سياسة «بص العصفورة» بحيث ينشغل العالم كله بالحرب بينما هي تقوم باحتلال الجنوب اللبناني حتى نهر الليطاني، والتي تعادل ثلث مساحة لبنان، وقد تواكب انتهاء مفاوضات أمس الأول دون التوصل لحل إيجابي، وقيام الولايات المتحدة بفرض حصار على موانئ إيران، بوصول نتنياهو رئيس وزراء العدو الإسرائيلي إلى جنوب لبنان لزيارة قوات الاحتلال.
ولا ننس ما استولت عليه إسرائيل من قبل في سوريا أثناء انشغال العالم والشعب السوري بالثورة على بشار، والتي تضمنت «جبل الشيخ» ومساحة امتدت إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن دمشق.
لقد آن الأوان أن تتكاتف الدول العربية تكاتفاً حقيقياً، اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، ليس به تعاون خليجي منفصل عن الكيان العربي، فالأمن العربي واحد لا يتجزأ، وعدم الانسياق وراء اتفاقيات إبراهيمية مزعومة وهشة، هدفها ضرب العصبة والوحدة العربية، وهذا هو الطريق الأمثل للاستقرار والأمن في الشرق الأوسط، والوسيلة الوحيدة للضغط على الولايات المتحدة والعدو الإسرائيلي المحتل، تلك الزائدة الدودية التي زُرعت في جسد المنطقة.
كل مقومات القوة العربية موجودة، وحدة الشعوب، وارتباطها بالأرض، ووحدة الثقافة واللغة، ووحدة الهدف، والثروة.
ولكن تبقى الإرادة.
لن يستطيع العدو الإسرائيلي ممارسة سياسة «بص العصفورة» أو إنشاء «إسرائيل الكبرى»، أمام قرار عربي واحد وقوة عربية واحدة.
أثق في أن الزعماء العرب قادرون على ذلك، بقدر ثقتي في قدرة إسرائيل على إفساد مباحثات السلام بين أمريكا وإيران وإشعال الحرب مرة أخرى، كما فعلتها من قبل في 28 فبراير الماضى أثناء مباحثات البلدين في مسقط!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك