الرباط ـ «القدس العربي»: مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في أيلول/ سبتمبر المقبل، تتسارع وتيرة التحضيرات داخل الأحزاب السياسية، في سياق يطبعه وعي متزايد بحساسية المرحلة، خاصة في ظل تراجع منسوب الثقة في العمل السياسي وعزوف فئات واسعة، خصوصاً الشباب، عن المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.
ويرى مراقبون أن هذا الموعد الانتخابي لا يأتي فقط لاختيار «ممثلي الأمّة»، بل يحمل أيضاً رهانات مرتبطة بتخليق الحياة السياسية وتعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة.
وفي هذا الإطار، كشفت مصادر خاصة لـ«القدس العربي» أن عدداً من الأحزاب باتت تتجه نحو اعتماد مقاربة أكثر صرامة في دراسة ملفات المرشحين المحتملين، من خلال طلب وثائق تتعلق بالسجل العدلي والوضعية القانونية، مع الحرص على تفادي تزكية أسماء تحوم حولها شبهات مالية أو وردت بشأنها ملاحظات في تقارير «المجلس الأعلى للحسابات»، مؤسسة رقابة.
ويعكس هذا التوجه محاولة استباقية لتفادي أي طعون قد تطال اللوائح الانتخابية، إلى جانب السعي إلى إعادة بناء جسور الثقة مع الناخبين.
ويأتي هذا التشدد الحزبي في سياق قانوني جديد، حيث يندرج القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب ضمن حزمة إصلاحات تروم تعزيز الشفافية وضمان نزاهة الانتخابات، إذ ينص على منع الترشح لكل من توبع قضائياً أو صدرت في حقه أحكام ابتدائية أو استئنافية بالإدانة في جرائم تمس الأهلية الانتخابية، مع استثناء الحالات التي لم تصدر فيها أحكام نهائية.
كما يشدد على منع كل من صدر في حقه حكم نهائي بالإدانة من الترشح، إلا بعد استرجاع أهليته القانونية.
وتعكس هذه المقتضيات القانونية توجّهًا نحو تشديد الرقابة على المسار الانتخابي، خاصة في ظل سوابق شهدتها السنوات الأخيرة، حيث تمت إحالة طلبات لعزل 119 منتخبًا سنة 2023، من بينهم برلمانيون، بسبب ارتكاب مخالفات قانونية.
كما شهدت السنوات التي تلتها متابعة عدد من المنتَخبين قضائيًا، واعتقال بعضهم للاشتباه في تورطهم في قضايا تتعلق بالفساد المالي، وتبديد الأموال العمومية، واستغلال النفوذ، بل وحتى الاتجار في المخدرات، ما ساهم في تعميق أزمة الثقة في المؤسسات التمثيلية.
ولتعزيز هذا المسار، يقترح القانون أيضاً تشديد العقوبات على المنتخبين المعزولين بسبب مخالفات جسيمة، من خلال تمديد فترة المنع من الترشح إلى مدتين انتخابيتين كاملتين، مع الإبقاء على إمكانية عودة من ثبتت نزاهتهم وحسن تدبيرهم.
كما جرى، في إطار تفادي تضارب المصالح، مضاعفة مدة المنع من الترشح بالنسبة لموظفي الدولة الذين مارسوا مهام ذات تأثير مباشر على المواطنين، من سنة إلى سنتين، مع منعهم من الترشح في الدوائر التي ارتبطوا بها لمدة خمس سنوات.
وبين تشدد القوانين ومحاولات الأحزاب إعادة ترتيب بيتها الداخلي، تبدو انتخابات أيلول/ سبتمبر المقبلة محطة اختبار حقيقية لقدرة الفاعل السياسي على التكيف مع متطلبات الشفافية والنزاهة، واستعادة ثقة الناخبين، في مشهد سياسي يطمح إلى تجاوز اختلالات الماضي وبناء ممارسة ديمقراطية أكثر مصداقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك