ليس كل تعاطف أخلاقيًا بالضرورة.
بعضه يكشف عنّا وعمّا نؤمن به، أكثر مما يكشف عن شعور إنساني غريزي لنصرة المظلوم.
فبعض أطياف هذا التعاطف غير العضوي تُشير إلى حدود غير مُعلنة، وإلى شروط مؤدلجة للإحساس بمآسي الآخرين لم نكن ندري أننا اعتنقناها حتى كشفتها لحظة امتحان اختبرت فيها قناعاتنا عن قيم الحق والعدل والمساواة.
اضافة اعلانسؤال أخلاقي قديم لم يُجِب عنه الفلاسفة بشكل قاطع: أيكون التعاطف فضيلة بطبيعته، أم أنه كسائر الخصال البشرية يحتاج إلى تهذيب وحتى إلى منطق؟ في كتابها «عن الثورة»، ميّزت هانا آرندت بين الشفقة والتضامن، فالشفقة عندها مشاعر انتقائية لا تعيش إلا في حضور المعاناة، أما التضامن فمبدأ عقلاني يتجاوز حدود الهوية والجغرافيا.
التعاطف عندها فعل إرادي واع مرتبط بالتجربة الذاتية يتجاوز الشعور إلى الموقف.
في مقابل آرندت، رأت مارثا نوسباوم في «المشاعر السياسية» أن التعاطف مهارة قابلة للتعلم، والتوسيع لكنه يحتاج لبنى ثقافية وتعليمية واعية تمنعه من الانكفاء ‘إلى دوائره الضيقة، وهو بالضبط ما تقوضه بيئات الاستقطاب الرقمي.
نتعاطف، لكن ليس دائمًا بالطريقة ذاتها.
نقترب من بعض المشاهد الإنسانية باندفاع وانكسار، ونتردد أمام أخرى.
نرفع الصوت هنا، ونخفضه هناك.
لا لأن الألم في حد ذاته مختلف، بل لأن ما يحكم استجابتنا لم يعد الألمَ، بل صاحبَه.
نجد أنفسنا- قبل أن نفتح نافذة التعاطف اللامشروط — نبحث عن إشارات صغيرة: هل يشبهوننا؟ هل يتحدثون لهجتنا؟ هل ينتمون إلى ما ننتمي إليه؟ كأننا نجري دون وعي فحصًا للهوية قبل أن نمنح الشعور إذنًا بالحدوث.
وهذا بالضبط ما يُقلقني: ليس أننا نتعاطف بشكل انتقائي Selective Empathy — فهذا ميل إنساني موثّق — بل أننا بتنا نُضفي على هذا الانتقاء مشروعيةً فكرية.
نُسمّيه «وعيًا بالسياق» أو «فهمًا للتاريخ»، حين لا يعدو كونه تعصبًا أُعيدت صياغته بلغة أكثر رقيًا.
بيد أن الواقع المُعاش يقدم لنا أحيانًا نماذج تُربك هذه القناعة المريحة، وتُذكّرنا بأن التعاطف حين يكون نبيلًا حقًا لا يحتاج إلى تبرير.
ومن هذا الواقع، ما اختبرته شخصيا في الفترات المتقطعة التي قضيتها في مدن شمال إسبانيا، هناك، التقيتُ بكثيرين تفصلهم عنا اللغة والثقافة والتاريخ ومع ذلك يُبدون تعاطفًا حقيقيًا مع قضايانا؛ قضايا لا تمسّهم جغرافيًا ولا حضاريًا، ولا يُؤثّر انقضاؤها أو استمرارها في سير أيامهم.
لم يكن تعاطفًا عابرًا، ولا مجاملةً أخلاقية.
كان موقفًا.
لا مواربة فيه.
ربما يُفسَّر إلى حد ما بالخلفية التاريخية والباع الطويل لإقليم الباسك بالتحديد في قضايا الهوية والحقوق، تلك التجربة التي تُولّد حساسيةً خاصة تجاه الظلم حين يقع على الآخر لا عليك.
غير أن الأمر ذاته تكرّر في مدريد وبرشلونة وغيرهما من مدن أوروبا.
ما كان لافتا حقا هو أن هذا التعاطف لم يكن مشروطًا بالتجانس؛ لم يحتَج إلى رابط ديني أو قرب مكاني أو تقاطع ثقافي ليحدث.
كان بالمعنى الكانطي الحرفي تقريبا واجبا أخلاقيا يُمارَس لذاته، لا لأنه يُدرّ منفعة أو امتنانًا أو شعبوية.
وقد بدا لي آنذاك، وما يزال، أن هذا النوع من التعاطف هو ما يُميّز الموقف الأخلاقي المتماسك عن الشعور العاطفي العابر: أنه لا يُساوم، ولا يُفاوَض عليه، ولا يتوقف على معادلة المكافأة والعقاب.
أعود إلى هذا المشهد كثيرًا، خصوصًا حين يأخذني حظي العاثر إلى تصفح التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي.
هناك يتكشّف وجه آخر للتعاطف: وجه انتقائي متقلب، تحكمه الجغرافيا أحيانًا، والهوية كثيرا.
في هذا الفضاء الرقمي حيث تتشكل استجاباتنا بسرعة مُفزعة، باتت مستويات تعاطفنا أكثر حذرًا وانتقائيةً مما نحب أن نُقرّ.
يعلو ضجيج بعض القصص حد الإشباع، وتُطمَر أخرى.
نرفع الصوت لمدينة، ونتجاهل أخرى بالحجم والعمق ذاتيهما من الألم.
ومن الدّم.
«أطر التعاطف»: تلك الآليات الخفية التي تُحدد لنا عبر الصورة والسرد والتكرار مَن يستحق الحزن ومَن لا يستحقه.
نحن لا نختار هذه الأطر بوعي كامل؛ نحن نستنشقها مع كل تمرير لأصابعنا على الشاشة، حتى تُصبح جزءًا من بنيتنا الإدراكية، من دون أن نقبض على اللحظة التي توقفنا فيها عن الاختيار، عن كوننا أنقياء.
كيف ومتى أصبح الانتماء الديني، أو المذهبي، أو حتى الثقافي عدسة نمرّر من خلالها الألم قبل أن نسمح لأنفسنا بالاعتراف بوجوده؟يُفسّر علم النفس الاجتماعي جزءا من هذا بالإشارة إلى الميل الفطري نحو التعاطف مع المألوف.
لكن ما نعيشه اليوم يتجاوز هذا التفسير البيولوجي المريح.
نحن لا نكتفي بالميل المعقول، نحن نُعيد إنتاجه بوعي، ونبني حوله رواية مُبرِّرة.
الخطورة ليست في التعاطف الانتقائي ذاته، بل في اللحظة التي يصبح فيها الابتهاج بمصائب الآخرين ممكنًا؛ حين نُصفّق لما يحلّ -بمن أوهمنا تعصبنا -أنهم ليسوا نحن، وأن فقدهم ليس فقدنا.
إن هذا الأمر يتجاوز كونه خللا في المشاعر، هو ببساطة عطب في الأخلاق.
لأن المبدأ — إن كان مبدأً حقًا — لا يختار جغرافيته.
ولا ينتقي ضحاياه.
ولا يتوقف عند حدود الهوية.
هل كنا نُبالغ حين تحدثنا طويلًا عن تاريخ مشترك، وسرديات جامعة، وعن «نحن» التي لا تنكسر؟ أم أن هذه الـ»نحن» كانت دائمًا أوسع في الخطاب وأضيق في الممارسة؟إن لم نستعد كبشر، هذه القدرة على الشعور بالآخر -بعيدا عن اللكنة واللون والمذهب والقناعات السياسية ومكان الولادة وروايات الصدأ-وإن لم نقاوم بوعي وجرأة ما يُفتّتنا — فلن تنجو هذه «الـ نحن» من الاستقطاب الذي يتغذى، قبل كل شيء، على غيابها.
*أستاذة الإعلام الرقمي في جامعة البلقاء التطبيقية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك