لطالما أُثيرت التساؤلات عن التاريخ الحقيقي لظهور البشر على الأرض، لقد تعددت الإجابات بين نصوص دينية وروايات تاريخية وآراء علمية راحت تصنف الإنسان بين القردة وأشباه البشر وصولاً للإنسان الذي يحيا اليوم والذي كتب التاريخ وصنع الحضارات.
في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين، ورغم أن العالم قد تم اكتشافه جميعا، وطاف العلماء والرحالة أنحاء العالم ووصلوا إلى أكثر المجتمعات بساطة وبدائية في الصحراوات وبراري إفريقيا والغابات المطيرة في حوض الأمازون، لكن في منطقتنا العربية، وبالتحديد في المغرب، تم اكتشاف رجل يُدعى «عزو باسو» صُنف على أنه آخر إنسان بدائي على وجه الأرض، وأكد بعض العلماء على أنه الرجل الأخير من سلالة إنسان النياندرتال الذى سكن أوراسيا قبل 400 ألف عام.
فمن يكون هذا الرجل المغربي.
الإجابة، تقتضى بأن نعود إلى عام 1931م، وإلى أحد الأودية المغربية ويُسمى «دادس» ببلدة سكورة، وهي واحة تاريخية شهيرة تقع في إقليم ورزازات، كان السكان حينها على علم بوجود رجل غريب الشكل والأطوار، عملاق فارع القامة لكنه صغير الرأس، يعاني من صعوبة في التكلم ويعاني من تأخر الذهن، وكان يسكن كهفا بوادي دادس، لقد أفاد السكان بأنه كان يتغذّى على اللحم النيئ، ويستعمل أدوات بدائية للغاية في معيشته، ويتجوّل عاريًا – وقد وُضع داخل كيس فقط لالتقاط صور له، وكأن البشرية مع ما بلغته من تقدم في هذا الوقت قد عادت أدراجها للنشأة الأولى من البدائية القديمة في ظلمات العصر الحجري.
كان هذا الرجل ويُدعي «عزّو باسو» قادرًا على نطق بعض الكلمات، غير أن معظم كلامه كان غير واضح، كما لُوحظت عليه سمات جسدية مميزة، من بينها جبهة منحدرة إلى الخلف، وفك بارز، وأنف كبير، وذراعان طويلتان تكادان تبلغان مستوى الركبتين، وسارعت الصحافة إلى تسميته بـ«الحلقة المفقودة»، مصوّرة إياه على أنه آخر إنسان نياندرتال على قيد الحياة.
وفي سنة 1956م، وصل الكاتب الفرنسي جان بوليه، مرفوقًا بعالم الإثنولوجيا مارسيل غوميه، إلى المنطقة لدراسة هذه الحالة عن قرب، وقد قارن بعض العلماء الذين عاينوه جمجمته ببقايا إنسان النياندرتال، ولاحظوا أوجه تشابه لافتة.
اندهش الرجلان حين وجدا ما اعتقدا أنها أوجه شبه بين الرجل غريب الشكل و" إنسان نياندرتال" القديم، ما أعطى دفعة جديدة للصحف للكتابة عنه بحماسة متجددة، وكان يمكن أن تتسع دائرة المهتمين به من العلماء إلا أنه توفى عن عمر قدر بستين عاما.
الفضول المعرفي دفع بعض العلماء والخبراء إلى محاولة كشف هذا السر إلا أن جهودهم لم تسفر عن نتائج لفترة طويلة، إلى أن عثر في يوم من الأيام على فتاتين بالقرب من مراكش يشبه مظهرهما" عزو باسو".
كان للشقيقتين هما" هيسا" و" جيركايا" رأسان غريبان وأذرع طويلة، ونفس الجمجمة بجبهة ضيقة منحدرة، وكانت لهما نفس علامات التخلف العام والقوة البدنية الكبيرة، والنقص الكبير في مهارات التواصل الاجتماعي.
في هذه المرة تم التعرف على أسرة الفتاتين هيسا وجاركايا، ما أفضى على الفور إلى معرفة أنهما ولدتا لبشر معاصرين، إلا أنهما أصيبتا بأمراض خلقية شوهت شكلهما الخارجي بما في ذلك صغر الرأس والدماغ.
لاحقا اتضح أن صغر الرأس يمكن أن ينجم عن التهابات داخل الرحم مثل الحصبة الألمانية أو داء المقوسات الخلقي وحمى الضنك، وقد توصلت الدراسات العلمية الدقيقة في النهاية إلى أنه على الأرجح، كان عزو يعاني من صِغَر الرأس (الميكروسيفاليا).
بذلك يكون عزو باسو الذي عومل على أنه من بقايا" إنسان نياندرتال" المنقرض، ليس إلا رجلا أصيب بتشوهات خلقية.
وفيما لا تعرف أسرته، إلا أن المختصين يعتقدون انه انقطع عن الناس في فترة مبكرة من طفولته وعاش وحيدا في الكهف.
مع كل ذلك، تمكن عزو على الرغم من ضعف قدراته العقلية ومشاكله الصحية الأخرى، على البقاء على قيد الحياة في البرية، وعاش إلى أن بلغ سنا متقدمة، وكُتب له أن يراه الناس ويشتهر، على الرغم من أنه على الأرجح لم يكن يعي ما يدور من حوله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك