اعتبرت هجرة المغاربة إلى فرنسا للعمل في المناجم واحدة من أهم موجات الهجرة العمالية بين البلدين خلال القرن العشرين، خاصة في الفترة الممتدة من الخمسينيات إلى السبعينيات.
وأتى المهاجرون لتلبية حاجة فرنسا الماسة إلى اليد العاملة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث كانت البلاد تسعى لإعادة بناء اقتصادها وصناعاتها.
واشتغل هؤلاء العمال في ظروف صعبة للغاية، إذ كانوا يقضون ساعات طويلة تحت الأرض في بيئة مليئة بالمخاطر، مثل الانهيارات وأمراض الجهاز التنفسي.
كما عاشوا في مساكن جماعية بسيطة، وعانوا في كثير من الأحيان من التهميش الاجتماعي وضعف الحقوق مقارنة بالعمال الفرنسيين.
ورغم هذه الظروف القاسية، لعب العمال المغاربة دورا مهما في دعم الاقتصاد الفرنسي خلال مرحلة إعادة البناء.
ومع مرور الوقت، استقر العديد منهم في فرنسا، وجلبوا عائلاتهم، مما ساهم في تشكيل نواة الجالية المغربية التي أصبحت اليوم من أكبر الجاليات في فرنسا.
وخصص الصحافي والباحث المغربي في شؤون الهجرة حسن بنطالب كتابا لهذه الفئة بعنوان: " فحم كل المآسي.
التاريخ المنسي لعمال المناجم المغاربة في با دو كالي" بشمال فرنسا.
وجاء في مقال عن هذا الكتاب بصحيفة الاتحاد الاشتراكي أنه" عمل توثيقي وتحقيقي يُعيد إحياء واحدة من أكثر الصفحات إيلاما وتهميشا في تاريخ الهجرة المغربية".
ومن خلال هذا العمل، يغوص بنطالب" في الظروف القاسية التي أحاطت بترحيل هؤلاء العمال من قراهم النائية في المغرب إلى أعماق المناجم الفرنسية، حيث واجهوا الاستغلال والتمييز والعزلة بعيدا عن أسرهم وبلادهم.
ويستحضر بنطالب دور" فيليكس مورا"، الذي عُرف بلقب" نخاس الزمن الحديث"، في قيادة عمليات الانتقاء المهينة لهؤلاء الرجال، الذين كانوا غالبا من الأميين والفقراء، وحُرموا من أبسط حقوقهم، وعوملوا كقوة عاملة خام قابلة للاستبدال".
فرانس24 قابلت حسن بنطالب وأجرت معه الحوار التالي:ما الذي قادك للبحث في قضية عمال المناجم المغاربة في شمال فرنسا.
هل هو واقع الهجرة الحالي أم أسباب أخرى؟الدافع لا يمكن اختزاله في “الراهن” فقط، بل هو نتاج توتر بين ثلاثة مستويات زمنية: الماضي (تجربة عمال المناجم)، الحاضر (تحولات الهجرة المعاصرة)، والمستقبل (أسئلة السياسات العمومية).
ما لاحظته هو أن النقاش العمومي حول الهجرة في المغرب - سواء إعلاميا أو سياسيا - يعاني من فقر في الذاكرة.
يتم التعامل مع الهجرة كظاهرة آنية، بينما هي في الحقيقة بنية تاريخية ممتدة.
من هنا جاءت الفكرة: العودة إلى تجربة عمال المناجم ليست عملا توثيقيا فقط، بل محاولة لفهم كيف تتشكل أنظمة الاستغلال عبر الزمن، وكيف تعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة.
بمعنى آخر: لم أبحث في الماضي لأنه انتهى، بل لأنه لم ينتهِ فعليا.
ما أبرز الأحداث والأفكار التي يجب التوقف عندها بإلحاح عند إثارة قضية عمال المناجم المغاربة؟هناك ثلاثة مستويات يجب التوقف عندها بعمق:1.
الاستغلال كمنظومة وليس كحالةالكتاب يبين أن ما تعرض له عمال المناجم لم يكن انحرافًا، بل كان جزءًا من نظام اقتصادي عالمي قائم على تقسيم العمل على أساس غير متكافئ.
المهاجر هنا ليس مجرد عامل، بل جسد وظيفي يتم استهلاكه.
الهشاشة لم تكن" طبيعية"، بل تم إنتاجها عبر:بمعنى أن النظام يحتاج إلى هشاشة المهاجر لكي يستمر.
3.
غياب العدالة التاريخيةليس فقط لأن التعويضات غير كافية، بل لأن: الذاكرة لم تُدمج في السياسات ولم يتم تحويل التجربة إلى معرفة مؤسسية وهذا أخطر، لأنه يسمح بإعادة إنتاج نفس الأخطاء.
هل حكم 2011 في مدينة دويي الفرنسية لصالح هؤلاء العمال حقق ما يعرف بجبر الضرر؟الحكم يجب قراءته على مستويين:مستوى قانوني: هو اعتراف مهم بمسؤولية تاريخية، وهذا في حد ذاته إنجاز.
مستوى سوسيولوجي: لا يرقى إلى جبر الضرر، لأن الضرر هنا غير قابل للاختزال في المال:يمكن القول إن الحكم عالج النتيجة، لكنه لم يمس البنية التي أنتجت الضرر.
لماذا المزج بين البحث الأكاديمي والاستقصاء الصحفي في" فحم كل المآسي"؟هذا الاختيار لم يكن تقنيا، بل أبستمولوجيا.
هناك إشكال حقيقي في دراسة الهجرة: البحث الأكاديمي يميل إلى التجريد والصحافة تميل إلى الاختزال أو الإثارة.
ما حاولت القيام به هو تجاوز هذا الانقسام عبر بناء مقاربة هجينة تقوم على:· تفكيك البُنى (structural analysis)· وإعادة تركيب التجربة الإنسانية (lived experience)لأن الحقيقة أن: الاستغلال لا يُفهم فقط بالأرقام ولا يُدرك فقط بالشهادات، بل في المنطقة التي يلتقي فيها النظام مع التجربة الفردية.
هذا المزج سمح بكشف ما يمكن تسميته: " العنف الصامت" — أي ذلك النوع من العنف الذي لا يظهر في الخطابات الرسمية، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل الحياة اليومية للمهاجرين.
لماذا يتكرر هذا الوضع اليوم؟ وأين الخلل؟فكرة أن" التاريخ يعيد نفسه" غير دقيقة.
الأدق هو أن: البُنى تعيد إنتاج نفسها بأشكال جديدةاليوم نلاحظ نفس المنطق في:الخلل يكمن في ثلاثة مستويات:1.
اقتصاديا: استمرار موقع المغرب في سلسلة قيمة عالمية غير متكافئة يصدر اليد العاملة ويستورد الهشاشة2.
سياسيا: ضعف التفاوض الدولي لحماية العمال وغياب سياسات استباقية3.
اجتماعيا: تحول الهجرة إلى مشروع فردي للخلاص بدل كونها قضية جماعية وهذا أخطر تحول، لأنه ينقل المسؤولية من النظام إلى الفرد.
هل ستواصل هذه التجربة في البحث والتوثيق حول الهجرة بأعمال أخرى؟هذا العمل فتح مسارا بحثيا أكثر تعقيدا مما توقعت.
السؤال اليوم لم يعد فقط: " ماذا حدث؟ " بل أصبح: كيف يتم إنتاج الهجرة كمنظومة؟ وكيف يتم إنتاج خطابها في الإعلام والسياسة؟المرحلة القادمة - إذا استمرت - ستكون نحو:· تحليل الخطاب حول الهجرة (كما في Migrapress)/ (مركز بحث مغربي حول الهجرة)· ربط الذاكرة بالسياسات العمومية· دراسة التحولات الجديدة (الهجرة جنوب-جنوب، الهجرة الرقمية…)هذا الكتاب ليس فقط عن عمال المناجم.
بل عن شيء أعمق: كيف يتحول الإنسان إلى أداة داخل نظام اقتصادي وكيف يتم تبرير ذلك سياسيا وكيف يُنسى ذلك جماعيا.
وفي النهاية: هو محاولة للإجابة عن سؤال صعب: كيف يمكن أن نستفيد من الذاكرة، ليس للبكاء على الماضي، بل لتفادي إعادة إنتاجه؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك