نواكشوط –«القدس العربي»: تحول مسار الحوار السياسي الموريتاني في مرحلة دقيقة، من ورشة تشاور يفترض أن تؤسس لتوافق وطني واسع، إلى ساحة سجال مفتوح وحرب بيانات وتبادل للتهم بين الحزب الحاكم وحزب «تواصل» ذي المرجعية الإسلامية والرئيس الدوري لمؤسسة المعارضة الديموقراطية.
وقد عكس هذا السجال عمق أزمة الثقة التي تطبع الحياة السياسية في موريتانيا؛ فبينما كان الرهان معقودًا على أن يشكل الحوار فرصة لإعادة ترتيب قواعد اللعبة السياسية، سرعان ما تعثر في محطته التحضيرية، مطلقًا ما يشبه «حرب بيانات» بين حزب الإنصاف وخصمه الرئيسي في المعارضة حزب «تواصل».
واختار حزب الإنصاف توجيه الاتهام مباشرة إلى حزب «تواصل»، معتبرًا أن تعليق الحوار جاء بطلب منه، ولأسباب «تفتقر إلى الوجاهة»، بل وذهب أبعد من ذلك حين أشار إلى أن بعض قادة المعارضة داخل قاعة النقاش كانوا يميلون إلى مواصلة المسار، في إيحاء بوجود تباين داخل صفوفها.
وقدّم حزب الأغلبية حزب الإنصاف روايته الكاملة للأزمة، عبر بيان مطوّل حمل في طياته مزيجًا من الدفاع السياسي والهجوم المضاد، ساعيًا إلى إعادة توجيه بوصلة الاتهام نحو المعارضة، وبشكل خاص حزب تواصل.
ولم يكتف البيان، الذي يأتي في ظرف وصفه الحزب بـ«الوطني الحساس»، بتفنيد اتهامات التعطيل، بل حرص على تثبيت سردية مفادها أن مبادرة الحوار لا تزال قائمة، وأن المسؤولية عن تعثرها لا تقع على عاتق الأغلبية.
وفي مستهل بيانه، شدد الحزب على أن الحوار الوطني يمثل خيارًا «راسخًا» للأغلبية، وليس مجرد مناورة ظرفية، مبرزًا أنه يأتي ضمن رؤية أطلقها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لفتح المجال أمام كافة القوى السياسية، بهدف تعزيز الديمقراطية وترسيخ الاستقرار.
وحرص الحزب الحاكم على تأطير الحوار باعتباره مشروعًا وطنيًا شاملاً لا يخضع لحسابات حزبية ضيقة، في محاولة واضحة لنزع أي طابع صراعي عن المبادرة وتقديمها كمسار جامع.
وفي مواجهة الانتقادات، أكد الحزب الحاكم أن الأغلبية قدمت «ورقة سياسية» تتسم بالجدية والانفتاح، واضعةً المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار».
كما رفض ما وصفه بـ»التأويلات المغلوطة» المرتبطة بالرسائل المتبادلة مع منسق الحوار، في إشارة إلى خلافات تقنية تحولت إلى مادة سياسية.
ويعكس هذا الجزء من البيان محاولة لإظهار الأغلبية في موقع الطرف المبادر والمسؤول، مقابل تصوير الطرف الآخر كجهة تؤوّل الوقائع لخدمة موقفها.
ومن النقاط المحورية التي شدد عليها البيان، التأكيد على أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يتبوأ موقع «الضامن والميسر»، دون أن يكون طرفًا في الحوار، وهو تأكيد يحمل دلالات سياسية مهمة، إذ يسعى إلى تعزيز صورة الحياد المؤسسي، وتحصين المبادرة من الاتهامات بالتوجيه أو التحكم.
ولم يخلُ بيان الحزب الحاكم من لهجة اتهامية، حيث أشار إلى أن محاولات تعطيل الحوار «ليست وليدة اللحظة»، بل تندرج ضمن ممارسات متكررة لبعض الأطراف، تسعى وفق تعبيره، إلى عرقلة أي مسار توافقي خدمةً لحسابات ضيقة.
كما انتقد حزب الإنصاف ما اعتبره «توفير غطاء سياسي» لهذه السلوكيات، في إشارة توحي بوجود اصطفافات داخل المشهد المعارض تتجاوز المواقف المعلنة.
وفي ختام بيانه، وجّه الحزب الحاكم دعوة صريحة إلى مختلف القوى السياسية لتحمل مسؤولياتها، والعمل على تشجيع شركائها على الانخراط الإيجابي في الحوار بدل التردد أو التعطيل، كما جدّد استعداده للعودة إلى الطاولة واستئناف الجلسات التحضيرية، مؤكدًا أن نجاح الحوار يتطلب التزامًا جماعيًا.
وفي المقابل، حمَّل حزب «تواصل» أحزاب الموالاة المسؤولية المباشرة عن تعطيل الحوار وافتعال مطبات بغية إفشال أي فرصة لبناء مسار سياسي توافقي يخدم المصلحة الوطنية.
وأوضح الحزب في بيان صادر عن مكتبه السياسي أن أي حوار لا تتوفر له ضمانات الجدية والالتزام المسبق بمخرجاته، لن يكون سوى مضيعة للوقت وتكريس للأزمة القائمة.
ودعا الحزب للارتقاء بالتنسيق بين قوى المعارضة إلى مستوى الفعل المشترك، وبناء موقف موحد قادر على فرض التوازن المطلوب في المشهد السياسي.
من خلال قراءة للبيانات المتبادلة، تبدو الإجابة واضحة من منظور الأغلبية: فالمعارضة هي من تعطل.
لكن القراءة الأوسع للمشهد تشير إلى أن الأزمة تتجاوز تبادل الاتهامات، وترتبط أساسًا بغياب الثقة، وتضارب التصورات حول طبيعة الحوار وضماناته.
وبين خطاب «الانفتاح» الذي ترفعه الأغلبية ومطلب «الضمانات» الذي تتمسك به المعارضة، يظل الحوار معلقًا في منطقة رمادية تنتظر قرارًا سياسيًا شجاعًا يعيد إطلاقه إن وُجدت الإرادة لذلك.
وبعيدًا عن اللغة السياسية المتبادلة، يمكن رصد ثلاثة عوامل رئيسية تقف وراء تعثر انطلاقة الحوار، أولها أزمة الثقة المزمنة بين السلطة والمعارضة في موريتانيا؛ فالمعارضة تخشى من استخدام الحوار كأداة لامتصاص الضغط دون إصلاحات حقيقية، بينما ترى الأغلبية أن بعض أطراف المعارضة تميل إلى التصعيد بدل الانخراط في التوافق.
أما العامل الثاني فهو الخلاف حول جدول الأعمال؛ فرغم حديث الأغلبية عن «عدم إقصاء أي موضوع» فإن هذا الانفتاح نفسه يثير مخاوف المعارضة، خاصة إذا شمل قضايا حساسة مثل التعديلات الدستورية أو قواعد التنافس السياسي.
وهنا يظهر الخلاف الجوهري: هل يُفتح النقاش دون قيود، أم تُحدد له أولويات وضوابط مسبقة؟ويتعلق العامل الثالث بصراع التوازنات السياسية، وهو ما يتضح من خلال دعوة حزب «تواصل» إلى توحيد صفوف المعارضة، فهي دعوى ليست تفصيلاً عابرًا، بل مؤشر على أن ميزان القوى الحالي لا يسمح للصف المعارض بفرض شروطه داخل الحوار دون جبهة معارضة متماسكة.
ليست حرب البيانات الحالية سوى عرض لمرض أعمق في النظام السياسي الموريتاني: غياب أرضية مشتركة تُبنى عليها التفاهمات الكبرى.
ومع ذلك، لا يزال هامش العودة إلى طاولة الحوار قائمًا، خاصة في ظل تأكيد الطرفين، نظريًا، على تمسكهما به.
لكن نجاح هذا المسار سيظل رهينًا بشرطين أساسيين، هما: تقديم ضمانات عملية من طرف السلطة تتجاوز الخطاب السياسي، وإظهار مرونة سياسية من طرف المعارضة تسمح بإطلاق الحوار دون تأجيل مستمر.
في النهاية، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد من يعرقل الحوار، بل أصبح: هل تملك الأطراف الإرادة الكافية لتجاوز منطق الاتهام والدخول في تسوية سياسية حقيقية؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك