الإنسان وفضاؤه اليومي في أعمال جاوما بلنسا Jaume Plensa.
في مدينة مورثيا الإسبانية أقيم معرض للفنان التشكيلي والنحات الكاتلوني المعاصر جاوما بلنسا.
يقدم بلنسا واحدا من أكثر المشاريع النحتية تماسكا في الفن المعاصر، مشروعا يقوم على توتّر دائم بين ثقل المادة وخفّة الروح، بين حضور الجسد وغيابه، وبين صمت الوجوه وضجيج العالم من حولها.
في أعماله، لا يكون النحت مجرّد كتلة تحتل الفضاء، بل يتحوّل إلى نظام بصري ـ لغوي، يختبر حدود الإدراك، ويستدعي ذاكرة المتلقي وهويته في آنٍ واحد.
منذ بداياته، اشتغل بلنسا على الجسد الإنساني بما هو «موقع» للهوية، لكنّه سرعان ما نزَع عنه أي ملامح فردية حادة، ليتحوّل الجسد ـ غالبا في هيئة رأس أو تمثال بملامح هادئة وعيون مغمضة ـ إلى صورة كونية، أقرب إلى حالة تأملية عابرة للعرق والجنس واللغة.
هذا الحياد الظاهري في الوجوه ليس برودة، بل هو محاولة لنقل الإنسان من مستوى «الشخص» إلى مستوى «الكائن»: جسدٌ مغمض العينين، كما لو أنه ينسحب من فائض الرؤية اليومية إلى الداخل، إلى طبقات الذاكرة والصمت.
يعتمد بلنسا على المواد الصلبة ـ الحديد، البرونز، الفولاذ، الزجاج، لكنه يحمّلها ما يشبه المفارقة: هذه المواد الثقيلة تتحوّل في يده إلى هياكل شفافة، مثقوبة، مليئة بالفراغات والفتحات، كأن الكتلة نفسها تعترف بأن ما يملؤها حقا ليس المعدن، بل الهواء، والصوت المحتمل، ونظرة المارّة.
كثير من أعماله تقوم على تدوير الحروف والرموز من لغات مختلفة، فيتكوّن الجسد من أبجدية، وتتحوّل اللغة من أداة تواصل إلى مادة نحتية.
هنا، لا تُقرأ الكلمات بقدر ما تُرى؛ الحرف لا يعود حاملاً لمعنى مباشر، بل يصبح هو نفسه علامة على إمكانية المعنى، على هشاشته وقابليته لإعادة التركيب.
في فضاءات المدن، تبدو منحوتات بلنسا ككائنات هادئة هبطت للتو في قلب الضجيج.
لا تتوسل الفن العام باعتباره مجرّد تزيين للمكان، بل بوصفه اقتراحا لإعادة هيكلة العلاقة بين الإنسان وفضائه اليومي.
يتعمّد الفنان أن يضع أعماله في ميادين ومحطات وواجهات مياه وحدائق، حيث تتقاطع مسارات البشر على اختلاف طبقاتهم وهوياتهم.
وفي هذه النقطة تحديدا، تتحوّل منحوتاته إلى «أماكن عبور» رمزية، تخلق نوعا من الحيّز التأملي داخل المدينة المعاصرة، مدينة السرعة والاستهلاك والصورة السريعة.
يمكن قراءة مشروع بلنسا أيضا بوصفه تأمّلا طويلا في اللغة وحدودها.
تراكم الحروف واللغات المختلفة في الجسد الواحد، يطرح سؤالا عن الهوية في زمن العولمة: من نحن عندما نكون محاطين، بل مكوَّنين، من أبجديات متعددة؟ هل اللغة هنا أداة توحيد أم تفتيت؟ في كثير من الأعمال، تتجاور الحروف اللاتينية مع العربية والآسيوية وغيرها، فتفقد الحدود القومية والثقافية صلابتها لصالح نوع من الـ«هجنة» البصرية التي تعكس واقعا بشريا مُركّبا، لا يعود فيه الانتماء خطّياً أو واحداً.
المفارقة أن هذا الاشتغال الكثيف على الحرف لا يقود إلى خطابٍ مباشر أو شعاراتية سياسية، بل إلى نوع من الشعرية الصامتة.
الصمت، في تجربة بلنسا، ليس غيابا للكلام، بل مستوى أعلى من الحضور، كما لو أن المنحوتات تقول للمتلقي: لستَ بحاجة إلى مزيد من الضجيج لتفهم هشاشة وجودك، يكفي أن تقف هنا، أن تتأمل هذا الرأس المغمض العينين، وهذه الحروف المعلّقة في الهواء، لتعيد ترتيب أسئلتك عن الذات والآخر والمدينة.
من الناحية الشكلية، تتوزع أعمال بلنسا بين حضور ضخم يتعامل مع المقياس المعماري للمدينة، وحضور داخلي حميمي في فضاءات العرض المغلقة.
في الحالتين، يظل الفنان وفيّا لمنطق واحد: خلق مساحة للبطء في عالم سريع، ومسافة للتأمل في زمن الاستهلاك الفوري للصورة.
هذا ما يجعل تجربته متجاوزة لفكرة «النحت الجميل» نحو ما يمكن تسميته بـ«الفعل الفلسفي في الفضاء العام»، حيث يُستدرج المشاهد ـ حتى العابر الذي لم يأت للفرجة ـ إلى مواجهة ذاتية غير معلنة مع أسئلته عن الزمن، الجسد، والهوية.
في النهاية، لا يقدّم جاوما بلنسا إجابات جاهزة، بقدر ما يقترح علينا أن نفكر في أنفسنا من جديد، ولكن من خلال وسيط بصري صامت.
منحوتاته، رغم صمتها الظاهر، محمّلة بنبرة أخلاقية وإنسانية عميقة: نبرة تدافع عن حقّ الإنسان في الحلم، في التأمل، وفي استعادة جسده ولغته وذاكرته من قبضة اليومي والسطحي.
وهنا تكمن قوة مشروعه: في قدرته على تحويل النحت من «مَعلم» في المدينة إلى «سؤال مفتوح» يسكن ذاكرة من يمرّون به، ويترك فيهم أثرا أبعد من مجرّد الإعجاب الشكلي.
تشكيلي وشاعر عراقي / إسبانيا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك