النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية صنتعه الشُّعوب بنص ميثاق الأمم المتحدة، بالإرادة الجَماعية الجديدة التي آلت على نفسها تحقيق السلام في العالم وحماية أمنه.
ولذا فإن الشعوب كونها عنصرا جوهريا مكوّنا للدول، عليها في الوقت الحالي أن تُبْدي الوعي اللازم للتصدّي لأكبر مجرم في تاريخ الإنسانية، مجرم يُعَربد ويُنْسف مبادئ الأمم المتحدة والعلاقات الدولية.
فالشُّعوب التي تحوّلت بحكم العَوْلمة والتقنيات الفائقة إلى جماهير تُساير ما يجري في العالم وتتأثر به، آن لها أن تنتقل إلى الدفاع عن سلامة العالم وأمنه، والفرصة اليوم مواتية لمجابهة ومواجهة دونالد ترامب، وحماية الشعب الأمريكي منه، بعدما تأكد انحرافه التام عن جادة الصواب ومبادئ العدل والإنصاف، والانسياق وراء الظلم والتَّنمر والحَيْف الصارخ.
الخروج السافر لدونالد ترامب عن الشرعية التي تحيله إلى قفص القضاء الدولي ومحكمة الأخلاق والحكم الراشد، تؤكدها الحقائق التالية: اسْتَنفد الرئيس دونالد ترامب معنى السّياسة، التي تشير إلى ما هو حُكْم راشد، واختيار أفضل البدائل، والقدرة على حل الأزمات وتسوية أوضاع داخلية وخارجية.
لم تعد السياسة مفهوما إيجابيا حسبما أبدعه وبلوره وفَكَّر فيه كبار الكتّاب ورجال السياسة وفلاسفة الأنساق والأنظمة والمشاريع، وما قامت به الحركات المناهضة للطغيان والعبودية والاستعمار والإمبريالية والصهيونية، وكل أشكال الديكتاتوريات في العالم، كل هذه الظواهر والمظاهر ظهرت من جديد في عهدة ترامب الأولى والثانية، ولا تلبث أن تتفاقم بصورة رهيبة، لأنها تجري في غير عهدها ولا أزمنتها التاريخية، الأمر الذي أفرغ مفهوم السياسة وتجاربها التاريخية من محتوياتها الإيجابية والإجرائية، باعتبار أن السياسة هي الحقل الحديث لإدارة وتسيير مؤسسات الدولة وتنمية الشعوب نحو الأفضل.
خروج ملايين الأمريكيين إلى شوارع المدن، يُعبر عن تَذَمّرهم من السياسة الأمريكية، التي انحرفت عن الوعود والبرامج والمشاريع التي خاض بها الرئيس ترامب حملته الانتخابيةإجْهَاز ترامب على مجال السياسة داخل الولايات الأمريكية، وانتهاكه البغيض للقانون الدولي ومؤسساته القضائية والأمنية والاقتصادية، هو الذي يجب أن يدعو العالم كله إلى التماس الأخلاق والدين والثقافة المدنية والتجارب المحلية والمبادرات العالمية، التي تقوم على خلفيات حضارية كبرى من أجل التصدي لظاهرة شاذة تفتك بالوطن الأمريكي والمجتمع الدولي على السواء، لأن المحلي صارت له قوة العالمي، أو ما يعرف بظاهرة (المحلي /العالمي) Glocal ولحظة العولمة، وما تحْمل من زَخَم وفورية، على ما نلحظ في نتائج التَّصرفات العدوانية لكل من ترامب وربيبه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فقد حاول ترامب أن يصادر الدين، عندما عمد إلى إنشاء مصلحة الإيمان في البيت الأبيض كنوع من منع «الرب» وصَدِّه عن التَّدخل في شأن سياسة الفاشي الأمريكي، الذي لا يَحْتَمل أي تدخّل، بما في ذلك تدخل السماء.
وكان بداية التوِقيع على هذا التوجه الذي لا يعترف بأي قواعد ولا أخلاق، بل الحرب ثم الحرب وما بعدها الحرب أيضا، يوم أن غير لافتة وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، تنكرا للملايين الذين صوّتوا لصالح الحزب الجمهوري، وإمعانا في شن الحروب والاستثمار البغيض فيها، على ما بدأ يَكْتَشفه الحزب الديمقراطي.
خروج يوم 28 مارس الماضي المتوالي لملايين الأمريكيين إلى شوارع كل مدن الولايات الأمريكية، يؤكد بما لا يترك ظلا من الشك على جنون الرئيس الأمريكي وفساده.
فقد استعرضت المسيرات الشعبية الكبرى رئيسا لا يليق لا بالحكم ولا بالدين ولا بالأخلاق.
لم يحدث أن شُنّ هجوم على رئيس أمريكي مثل الذي جرى يوم الاستعراض الكبير، حيث أبدعت الجماهير في السخرية والتهكم والنيل من الرئيس الأمريكي وجماعته، إلى الحد الذي لم يدع له أي خصلة أو فضيلة إلا وقالها.
هذا الخروج المعبر هو بمثابة استفتاء قوي على انحدار صارخ لشعبية الرئيس، وعدم شرعيته لا للحكم ولا لإدارة حتى أملاكه الخاصة، بعد السلوك العنيف، الذي بدا منه وطريقة تعامله مع غيره.
فبعد ما لمسّته السياسة الدولية صار ترامب خطرا على نفسه قبل غيره، وبدأ العالم كله يلحظ أنه راح ضحية الحرب التي اختارها كسلطة للحكم.
خروج الملايين من الأمريكيين إلى شوارع المدن، يُعبر من جملة ما يُعبر عنه تَذَمّرهم من السياسة الأمريكية، التي انحرفت عن الوعود والبرامج والمشاريع التي خاض بها الرئيس ترامب حملته الانتخابية.
فقد تبين بشكل قاطع أن الإفْك والكذب والبهتان، واحدة من متلازمات السياسة الأمريكية في عهده، التي كلَّفت أضرارا مرعبة، ليس على المجتمع الأمريكي والغربي فحسب، بل على الجنوب الكبير أيضا البعيد عن القارة الأمريكية.
فَقدْ فَقَد الرئيس الأمريكي شرعية الحكم بعد أن تخلى عن وعوده، وأصبحت تطارده جرائم الحرب، وهتك القاصرات والفساد المالي، وانتهاك السياسة والحكم الديمقراطي.
والواقع، أن قرابة سنة ونصف السنة كانت كافية لترامب لكي يبدأ التصفية الداخلية والتَّنَكر لمن عيّنهم ضمن التشكيلة الأولى التي تحكم في البيت الأبيض، وهو يضيف إلى جانب غياب الشرعية، ليس فقط سوء التسيير والحكم فحسب، بل تزييف إرادة من صوتوا له، لأنهم لم يُصَوِّتوا لا على الإقصاء ولا على التعيينات الجديدة.
العدوان الأخير على دولة إيران، ليس من برامج ولا مشاريع الحملة الانتخابية للرئيس ترامب، وليس ممن صوّتوا لصالحه.
وهو هنا يصنَع ما صنعه الجمهوري الخلاصي جورج بوش الابن، مطلع القرن الواحد والعشرين، والنتائج المدلهمة التي تلقاها ليست من نوع مشاهد القيامة فحسب، بل كل تاريخ المنطقة العربية والشرق الأوسط تداعى لها، وأوصلتنا إلى ما وصل إليه الرئيس الحالي دونالد ترامب وربيبه نتنياهو، أي إعادة سيناريو المعادلة التي تنص على أن مشكلة إسرائيل تساوي فشل السياسة الأمريكية، يعقبها مباشرة ظهور تنظيمات جهادية وحركات مقاومة.
واليوم أكثر من أي وقت مضى، سوف تبرز الجماعات الجهادية التي تلتمس اعتبارات من خارج السياسة، من أجل أن تقاوم كيانا نَزِقا مارقا يمثل بؤرة سرطانية في العالم، والتَّصدي لرئيس يعاني الخبل والرعونة، الذي يجب أن يعفيه من الحكم.
فبعد تنظيم «القاعدة»، وتنظيم «داعش»، من المتوقع أن تظهر تنظيمات لا تُعرف مصادرها ويمكن عّدها معادلا موضوعيا لسياسة ترامب الإسرائيلية.
ولعلّ ما يتَرَتب عن الفقرة الأخيرة، صلة خيبة سياسة ترامب العدوانية واللاأخلاقية بالظهور الفوري للمقاومة الجهادية، هو توسيع مفردة الإرهاب وتمديده الى إرهاب الدولة والمؤسسات التي تحتكر العنف الظالم والصارخ.
فقد اتضح بشكل بَيِّن الرّابط بين استمرار الفساد الدائم للكيان العِبْري والسياسة الأمريكية الداعمة له، وظهور التنظيمات الجهادية وحركات المقاومة، الأمر الذي يجب أن يرتب وصف الفعل ورد الفعل بالإرهاب.
فظاهرة الإرهاب ليست قائمة فعلا بما هي كذلك، بل كان ولا يزال الغرب هو الذي يصنعها ويخلعها على مزاجه ومصالحه.
لكن اليوم، وما سيسفر عنه الوضع الدولي القادم، فإن الإرهاب صناعة غربية، أمريكية/ إسرائيلية بالضرورة قبل أن تكون حالة لتنظيمات تقاوم وتكافح من أجل رفع الظلم والعدوان والأنظمة العميلة له.
فمن المتوقع أن تسقط جريمة «تمجيد الإرهاب» و»معاداة السامية» من القوانين واللوائح الغربية كنتائج الحرب على غزة وعلى الدولة الإيرانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك