يستعد ناشطون لاعتصام يحمل عنوان" قانون وكرامة"، في 17 نيسان الجاري في ساحة يوسف العظمة وسط العاصمة دمشق، تزامناً مع الذكرى الثمانين لعيد الجلاء، في ربط بين رمزية الاستقلال كحدث تاريخي، واستكماله كمسار قائم على سيادة القانون وحقوق المواطنين.
الدعوة للاعتصام، التي بدأت عبر منصات التواصل الاجتماعي، لم تُقدم كتحرك احتجاجي تقليدي فحسب، بل كجزء من خطاب أوسع يربط بين الحقوق الاقتصادية، وسيادة القانون، ودور المجتمع المدني في المرحلة الانتقالية.
كما يؤكد البيان الصادر عن المنظمين أن الاعتصام لا تتبناه أي جهة أو طرف محدد، مشدداً على أن" أي ادعاء بأن جهة تتبنى الاعتصام على أنها من نظمته هو ادعاء غير صحيح إطلاقاً"، وأن القائمين عليه هم ناشطون مدنيون من تيارات وخلفيات مختلفة، ولا يمثلون أي حزب سياسي.
وتتجاوز أهمية هذا الاعتصام مطالبه المباشرة إلى توقيته وسياقه، إذ يأتي بعد سلسلة من الوقفات والاحتجاجات التي شهدتها مدن سورية خلال الأسابيع الماضية، ما يطرح سؤالاً يتجاوز الحدث ذاته: هل يعود الشارع السوري كأداة مدنية للتعبير؟ وهل يمكن أن يشكل الاحتجاج السلمي مساراً فعالاً للتأثير في البلاد؟" قانون وكرامة": مطالب تتجاوز المعيشةيقول مصدر من منظمي الاعتصام، فضّل عدم الكشف عن هويته، إنهم لم يتواصلوا مع أي جهات رسمية" لأن الاعتصام السلمي حق يكفله الدستور"، مضيفاً أن الحاجة إلى هذا التحرك جاءت بعد عدم الاستجابة لمطالب فئات مختلفة، رغم موجة الاعتصامات والمظاهرات التي شهدتها مدن ومناطق سورية مؤخراً.
يشير المصدر إلى أن كل فئة متضررة بدأت بالتحرك بشكل منفصل، من سائقي التكاسي وأصحاب البسطات، إلى المتضررين من سياسات إعادة الإعمار، إضافة إلى أصحاب المحلات والتجار والصناعيين والحرفيين المهددة أعمالهم بالإغلاق، معتبراً أن" تعدد هذه التحركات وتشتتها دفع نحو محاولة توحيد الأصوات ضمن إطار واحد، علّها تصل إلى صناع القرار وتدفعهم للحوار وتحقيق المطالب".
ووفق الإعلان الصادر عن المنظمين، ينطلق الاعتصام من التأكيد على أن حرية التعبير والتجمع السلمي" حقوق مكفولة في الإعلان الدستوري المؤقت"، ويضع لنفسه هدفاً معلناً يتمثل في" تفعيل دور المجتمع المدني في الرقابة على الشأن العام".
ولا تقتصر المطالب المطروحة للاعتصام على الجانب الخدمي، بل تمتد إلى مستويات متعددة، يمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية:سيادة القانون والحقوق: إرساء المواطنة المتساوية، حماية الحريات الفردية، ووقف أي قرارات تمس حياة المواطنين أو تنتقص من حقوقهم.
العدالة والملكية وإعادة الإعمار: وقف استملاك الممتلكات تحت غطاء الإعمار، وضمان محاسبة المتورطين بالانتهاكات ومنع إشراكهم في المشاريع، بما يحفظ حقوق المهجرين والمقيمين.
السياسات الاقتصادية والمعيشية: مراجعة التعرفة والسياسات السعرية، ضبط الأسواق، إصلاح السياسات النقدية، ومنع تطبيقات السوق الحر غير المدروسة التي تضر بالمعيشة.
الحوكمة والمرحلة الانتقالية: تعزيز الشفافية والمحاسبة، ضبط الصلاحيات داخل الدولة، منع الخصخصة غير المدروسة، وحصر دور الحكومة الانتقالية بتهيئة البلاد للانتخابات مع إطلاق حوار وطني شامل، ورفض قرارات استراتيجية طويلة الأمد كخصخصة القطاعات الحيوية.
من يقف خلف الاعتصام؟ ومن يراقبه؟يؤكد مصدر" تلفزيون سوريا" أن القائمين على الاعتصام هم ناشطون مدنيون من تيارات وخلفيات مختلفة، بعضهم شارك في حراك الثورة السورية في آذار 2011، وآخرون منشقون عنه أو مهجرون، إضافة إلى ناشطين استمروا في العمل داخل دمشق حتى سقوط نظام الأسد.
وأشار المصدر إلى أن هذا التنوع يمتد إلى مختلف الانتماءات الاجتماعية والدينية، مع تأكيد واضح على مطالب تتعلق بتفعيل العدالة الانتقالية ومحاسبة جميع المتورطين في الانتهاكات بحق الشعب السوري، وعدم تعويم مرتكبي الجرائم أو التسوية معهم.
وفيما يتعلق بتنظيم الاعتصام، يوضح المصدر أن المنظمين سيعملون على نشر تعليمات وإرشادات لضمان السلامة عبر الصفحة الرسمية، مع وجود فريق من المتطوعين لتنظيم التحرك ومنع حدوث أي مشكلات.
ويشدد المصدر على أن الاعتصام" يسعى للحفاظ على خطاب واضح ومنضبط، من خلال نشر الشعارات واللافتات التي تمثل المشاركين، والتنبيه إلى أن أي ادعاءات بتبني جهات أخرى للتحرك لا تعكس الواقع".
وعن تعامل السلطة مع الحراك، ذكر المصدر أنهم لا يتوقعون قمع الاعتصام، باعتبار أن المرحلة الحالية مختلفة" فنحن اليوم في سوريا الجديدة الحرة"، لافتاً إلى التنسيق مع جهات قانونية، بما فيها فريق" العدالة للجميع"، وذلك بهف التوثيق والتدخل في حال وقوع أي تجاوزات.
وكانت منظمة" العدالة للجميع" أعلنت عن مشاركتها في الاعتصام" بصفة مراقب"، موضحة أن ذلك يأتي" في إطار دعمها وحمايتها لحق التعبير والتجمع السلمي في سوريا".
وذكرت المنظمة أنها ستوفد فريقاً مؤلفاً من محامين وخبراء قانونيين وإعلاميين للعمل على رصد وتوثيق مجريات الاعتصام، بما في ذلك متابعة التزام المشاركين بسلمية التحرك، ومدى التزام الجهات المعنية بضمان حماية المشاركين وتأمين بيئة آمنة لممارسة حقهم في التجمع السلمي، بالإضافة إلى توثيق أي انتهاكات أو خطابات تحريض أو كراهية قد تصدر عن أي طرف.
تشير مصادر من داخل الدوائر المنظمة للاعتصام، تحدثت لموقع" تلفزيون سوريا" شريطة عدم الكشف عن هويتها، إلى أن التحرك" لا يسعى إلى أي تصعيد أو مواجهة مع السلطة، بل إلى خلق مساحة مدنية مشروعة للتعبير والاحتجاج".
يقول أحد المصادر إن" الفكرة الأساسية ليست في عدد المشاركين، بل في تثبيت مبدأ أن الشارع يمكن أن يكون وسيلة ضغط سلمية ضمن إطار القانون"، مضيفاً أن" أي حراك، حتى لو كان محدوداً، يمكن أن يفتح باباً لتكريس هذا الحق إذا استمر ضمن قواعد واضحة ومنظمة".
ويشدد المصدر على أن" الأثر الحقيقي لا يُقاس بالحشد فقط، بل بقدرة هذا النوع من التحركات على خلق نقاش عام، ودفع السلطة ومؤسساتها للاستماع والتفاعل مع مطالب الناس".
ويؤكد مصدر آخر أن المنظمين" يحاولون الحفاظ على خطاب وطني جامع، يركز على القضايا العامة دون الانزلاق إلى استقطاب سياسي"، موضحاً أن" هذا الخيار مقصود لتوسيع دائرة المشاركة وعدم حصر الحراك ضمن فئة أو تيار محدد".
ويضيف المصدر أن" التركيز ينصب على نقاط مشتركة تمس مختلف شرائح السوريين، بما يساعد على إبقاء الاعتصام ضمن إطار مدني عام، بعيداً عن الانقسامات التي تعيق بناء خطاب وطني جامع".
احتجاجات متعددة ومشهد يتشكل تدريجياًلا يأتي اعتصام" قانون وكرامة" من فراغ، بل ضمن سياق مشهد بدأ يتشكل خلال الأشهر الماضية مع سلسلة من التحركات الاحتجاجية في دمشق ومدن أخرى، حملت طابعاً سلمياً وتفاوتت في مطالبها وأحجامها.
فقبل أيام، نفذ سائقو سيارات الأجرة في مدينة دمشق وريفها وقفة احتجاجية رداً على ارتفاع أسعار المحروقات وتراجع هامش الربح، ما انعكس مباشرة على قدرتهم على الاستمرار في العمل.
وتكررت هذه التحركات في أكثر من نقطة، مع مشاركة عشرات السائقين في كل مرة، قبل أن تتدخل الجهات المعنية عبر اجتماعات مباشرة مع ممثلين عنهم، في محاولة لاحتواء المطالب من دون تصعيد ميداني.
وفي 5 نيسان الجاري، تجمع العشرات من أصحاب البسطات أمام مبنى محافظة دمشق، للمطالبة بتنظيم أوضاعهم ومنحهم تصاريح عمل، في ظل حملات إزالة طالت مصادر رزقهم.
وخلال الفترة ذاتها، شهد طريق حلب اللاذقية شمال غربي سوريا عدة تحركات لسائقي الشاحنات، على خلفية ارتفاع تكاليف النقل والرسوم، حيث نفذ العشرات عدة وقفات احتجاجية محدودة على الطريق، ما دفع الجهات المحلية إلى فتح قنوات تواصل سريعة معهم لتخفيف التوتر ومنع تعطيل الحركة.
أيضاَ شهدت منطقة باب توما، في 23 آذار الماضي، اعتصاماً لافتاً، شارك فيه مئات الأشخاص، تأكيداً على أهمية الحريات والحقوق الشخصية، في واحدة من أبرز الوقفات التي خرجت من الإطار المعيشي إلى ملف الحقوق والحريات.
وفي سياق مدني ثقافي، شهدت مدينة دمشق، في 12 تموز الماضي، اعتصاماً للمطالبة بإعادة تشغيل" سينما الكندي"، بعد نقل ملكيتها، حيث طالب المشاركون بالحفاظ على الفضاء الثقافي العام، في تحرك حمل دلالة على اتساع نطاق القضايا التي يمكن أن تتحول إلى موضع احتجاج.
هل ينجح الشارع كأداة مدنية؟يختصر مصدرنا من المنظمين هدف الاعتصام بالقول إن" نجاحه لا يُقاس بعدد المشاركين، بل بقدرته على كسر حاجز الصمت، ووضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم"، معتبراً أن استجابة الحكومة للمطالب تعتبر" إنجازاً كبيراً".
وبهذا المعنى، لا يُطرح الاحتجاج هنا كوسيلة ضغط تقليدية قائمة على الحشد، بل كأداة لفتح المجال العام وإعادة إدخال مطالب الناس إلى دائرة النقاش الرسمي، الأمر الذي يعكس واقع الاحتجاجات في سوريا خلال الفترة الأخيرة، التي بقيت سلمية ومحدودة، ولم تُقمع على نطاق واسع، لكنها في المقابل لم تتحول إلى قوة تأثير مباشر على السياسات.
ويعزو أحد المصادر من داخل الدوائر المنظمة للاعتصام ذلك إلى غياب الأطر التنظيمية الواسعة، وتشتت المطالب بين فئات مختلفة، إلى جانب الحذر العام لدى المشاركين، مضيفاً أنه" يمكن قراءة اعتصام قانون وكرامة كمحاولة لتجاوز هذه المحددات، عبر جمع مطالب متفرقة ضمن خطاب مدني أكثر تماسكاً، يربط بين المعيشي والمؤسساتي".
في المحصلة، لا يرتبط نجاح هذا المسار بحجم التحرك بقدر ما يتوقف على عاملين: قدرته على توسيع قاعدته الاجتماعية، واستعداد الدولة للتعامل معه بوصفه جزءاً من المجال العام، لا مجرد حدث عابر.
وفي هذا الإطار، لا يبدو الشارع السوري أداة حسم بقدر ما هو مساحة اختبار مزدوجة: لقدرة المجتمع على تنظيم مطالبه، ولمدى استعداد السلطة للاستماع والتجاوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك