تتجه منصات التكنولوجيا الكبرى، وفي مقدمتها «غوغل»، إلى إعادة صياغة مشهد الإنتاج المرئي داخل المؤسسات الإعلامية، عبر تحديثات جديدة طالت تطبيق «غوغل فيدز».
وهي خطوة تعكس انتقالا متسارعا نحو أدوات باتت قادرة على تحويل المحتوى النصي إلى مواد مرئية خلال دقائق، وبدون الحاجة إلى فرق إنتاج كبيرة، وهو ما يمكن اعتباره تحولا جوهريا في آليات عمل غرف الأخبار، لكنه في المقابل يفتح بابا واسعا للتساؤل حول حدود العلاقة بين التقنية والمهنية التحريرية.
التقنية، مهما بلغت من تطور، تظل أداة في يد من يحسن استخدامها، لكنها لا تنتج وحدها المعنى ولا تصنع الثقة، لتبقى المصداقية هي الاختبار الأهم بين إغراء السرعة وضغط المنافسةوتشير المعطيات إلى أن التحديثات الجديدة التي أطلقتها «غوغل» تشمل أدوات لتوليد فيديوهات بجودة أعلى، وإنتاج موسيقى مخصصة، إلى جانب إدماج شخصيات حقيقية وأخرى افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، بشكل يتيح للناشرين إعادة توظيف المواد الصحفية في صيغ مرئية بشكل أسرع وأكثر تنوعا، في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع منصات أخرى تعمل على تطوير أدوات مشابهة لتعزيز حضورها في سوق المحتوى الرقمي.
كصحفي يعمل داخل غرف الأخبار، أرى أن هذا الإحداث، رغم ما يحمله من مكاسب تتعلق بالسرعة وتقليل التكلفة وتوسيع أشكال النشر، قد يفرض ضغوطا غير مسبوقة على دقة المحتوى ومصداقيته، في ظل تسارع الأدوات التقنية بما يفوق أحيانا قدرة التدقيق البشري، وهو ما يضع غرف الأخبار أمام معادلة دقيقة بين السرعة والتحقق.
ويؤكد خبراء أن الخطر لا يكمن في التقنية ذاتها بقدر ما يكمن في طريقة توظيفها داخل المؤسسات الإعلامية؛ حيث يصبح الصحفي أكثر انخراطا في مراجعة السياق وضبط النبرة البصرية والتحقق من البيانات، بدلا من الاكتفاء بكتابة المحتوى، مع التشديد على أن الذكاء الاصطناعي قد ينجح في إنتاج المعلومة، لكنه يظل أكثر عرضة لإرباك المعنى إذا غابت الرقابة التحريرية.
يبدو أن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المحتوى، بقدر ما يتعلق بقدرة المؤسسات الإعلامية على ضبط إيقاع هذا التحول دون أن تفقد جوهرها المهنيكما يلفتون إلى أن الجدوى الاقتصادية لهذه الأدوات واضحة من حيث تسريع الإنتاج، وخفض التكاليف، وتحويل المحتوى إلى صيغ متعددة، إلا أن الاعتماد المفرط عليها قد يؤدي إلى فقدان التمايز بين المؤسسات الإعلامية، وخلق حالة من التشابه في المحتوى، فضلا عن زيادة التبعية للمنصات التقنية الكبرى.
وفي المقابل، يذهب مختصون في الإعلام الرقمي إلى أن العلاقة بين المنصات والناشرين تتجه نحو مزيد من التكامل، لكنها تتطلب في الوقت ذاته أطرا حوكمية واضحة تقوم على احترام حقوق الملكية الفكرية، والشفافية في الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب لكل أداة، مع التأكيد على أن المحتوى المعمق والقصصي والإنساني سيظل بحاجة إلى العنصر البشري في جميع مراحله، مهما تقدمت أدوات الإنتاج الآلي.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال الحقيقي اليوم يتعلق بمدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج المحتوى، بقدر ما يتعلق بقدرة المؤسسات الإعلامية على ضبط إيقاع هذا التحول دون أن تفقد جوهرها المهني.
فالتقنية، مهما بلغت من تطور، تظل أداة في يد من يحسن استخدامها، لكنها لا تنتج وحدها المعنى ولا تصنع الثقة، لتبقى المصداقية هي الاختبار الأهم بين إغراء السرعة وضغط المنافسة، وهي ما سيحدد من يواكب هذا التحول ومن ينجرف خلفه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك