صدر مؤخراً كتاب «Immigration, mythes et réalités» للكاتب Nicolas Pouvreau-Monti عن دار Fayard في 288 صفحة، وهو عمل استقصائي يُحاول تفكيك ظاهرة الهجرة عبر لغة الأرقام والمعطيات.
يُحلل الكتاب آثار الهجرة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في السياق الفرنسي، ساعياً إلى الفصل بين الأسطورة والحقيقة في نقاش مُتشعب ومُلتهب.
غير أن قراءة هذا الكتاب تفتح الباب لسؤال أوسع وأكثر إلحاحاً: كيف نقرأ نحن واقع الهجرة في المغرب؟ وهل تصحّ فعلاً مقارنة سياقنا المحلي بما يحدث في فرنسا؟هذا السؤال لم يعد نظرياً خالصاً، بل أصبح جزءاً أصيلاً من نقاش يومي يتردد صداه في الشارع المغربي، وفي المنابر الإعلامية، وعلى منصات التواصل الاجتماعي.
المغرب وفرنسا: تباين المسارات والمنطلقاتفي فرنسا، يتمحور النقاش حول الهجرة غالباً حول إشكالية الاندماج لسكان الأحياء من أصول غير فرنسية؛ أي مواطنين يحملون الجنسية ويعيشون داخل منظومة قانونية واضحة المعالم منذ عقود.
أما في المغرب، فالنقاش يتجه نحو وضعية مستجدة لم تكن مطروحة بهذا الحجم قبل سنوات قليلة، إذ تحوّل المغرب من “بلد عبور” إلى “بلد إقامة”.
وتُشير الشهادات المحلية والتقارير الصحفية إلى تحولات ميدانية ملموسة:• تجمعات سكنية عشوائية: استقرار مهاجرين غير نظاميين في بنايات مهجورة أو أوراش قيد الإنشاء.
• دينامية حضرية جديدة: تحركات جماعية مكثفة في بعض الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى.
• احتكاكات اجتماعية: ظهور توترات بين الحين والآخر تعكس شعوراً متزايداً لدى السكان بأن الأمر تجاوز الحالات الفردية ليصبح ظاهرة هيكلية آخذة في التشكل.
لماذا يتصاعد القلق من حساسية الوضع المغربي؟يرى طيف من المحللين أن الواقع المغربي بات في بعض جوانبه أكثر تعقيداً من نظيره الفرنسي، ليس من حيث الكمّ، بل من حيث طبيعة الهشاشة المحيطة بالظاهرة:• الوضعية القانونية: بينما يدور النقاش في فرنسا حول مواطنين من أصول مهاجرة يتمتعون بوضع قانوني مستقر، ينصبّ التركيز في المغرب على مهاجرين غير نظاميين يفتقرون إلى هذا الاستقرار.
• الخبرة المؤسساتية: تمتلك الدولة الفرنسية منظومة إدارية وقانونية عريقة لإدارة تدفقات الهجرة، بينما لا تزال التجربة المغربية تشق طريقها نحو بناء سياسات عمومية واضحة لمواكبة هذا التحول المتسارع.
• العمق التاريخي: الهجرة في فرنسا جزء من مسار طويل يمتد إلى القرن التاسع عشر، أما الهجرة الوافدة إلى المغرب فهي ظاهرة حديثة العهد مقارنة بالتاريخ المديد للهجرة المغربية نحو الخارج.
المقاربة البديلة: خصوصية المغرب ترفض المقارنةفي المقابل، يرفض تيار واسع المقارنة بين السياقين المغربي والفرنسي، مستنداً إلى حجج تاريخية وسوسيولوجية رصينة:• أولاً – النسبة والتناسب: الأرقام المتداولة غالباً ما تكون مضخمة، وعدد المهاجرين في المغرب يبقى ضئيلاً مقارنة بالدول الأوروبية أو حتى بعدد من دول الجوار.
• ثانياً – الامتداد القاري: المغرب ليس غريباً عن إفريقيا، بل هو قلبها النابض.
فالجنوب المغربي يحمل بصمة إفريقية أصيلة، والتبادل الثقافي متجذر منذ قرون؛ وفنون كناوة خير شاهد على هذا الامتزاج الوجداني العميق.
• ثالثاً – غياب المأسسة ضد الهجرة: بخلاف فرنسا، حيث أصبح خطاب رفض المهاجر حاضراً في الإعلام والسياسة والبحث الأكاديمي، لم يُسجَّل في المغرب تبنّي أي جهة رسمية أو حزبية أو أكاديمية لخطاب عدائي تجاه المهاجرين.
• رابعاً – طبيعة التوترات: التشنجات التي تقع أحياناً في بعض المدن تُصنَّف احتكاكات اجتماعية عفوية، ولا تحمل أبعاداً سياسية أو إيديولوجية منظمة.
الحاجة إلى “تعاقد اجتماعي” هادئبين الرؤيتين، تبرز ضرورة ملحة لصياغة مقاربة وطنية تتجاوز الانفعالات اللحظية، وترتكز على ثلاثة محاور رئيسية:1.
التحليل السوسيولوجي الرصين: بعيداً عن التهويل أو التهوين، بحيث تُبنى السياسات على معطيات موثوقة لا على مشاعر متقلبة.
2.
أنسنة السياسات العمومية: أي احترام كرامة المهاجر بصرف النظر عن وضعيته القانونية، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي وضمان حقوق المواطن.
3.
الخطاب المتوازن: بناء وعي جمعي قادر على التمييز بين السلوك الفردي والظاهرة الاجتماعية العامة، وعلى الفصل بين الانتقاد المشروع والتحريض المرفوض.
إن ما يعيشه المغرب اليوم يضعنا أمام تساؤلات جوهرية حول هويتنا المستقبلية: هل نحن أمام بداية تحول ديمغرافي واجتماعي سيُعيد صياغة مفهوم “المواطنة” في المغرب؟ أم أننا نمر بمرحلة انتقالية تفرضها الجغرافيا السياسية وليس إرادة الفاعلين؟الأكيد أن مقارنة السياق المغربي بالفرنسي تظل قاصرة ومُجتزأة؛ وهو ما يؤكده كتاب Pouvreau-Monti حين يُبيّن أن كل سياق يفرز أسئلته الخاصة ومفاتيح فهمه الذاتية.
فالمغرب لا يواجه “الآخر” الغريب، بل يواجه امتداده الإفريقي في قالب عصري جديد، يحتاج إلى الكثير من الحكمة والقليل من الشعارات.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك