هل حجز المريض النفسي في مصحة هو عقاب أو سجن؟ ، هل هو وصمة عار؟ ، هل هو اتهام بالجنون؟ ، هل من لديه ميول انتحارية ممكن علاجه في البيت، ونكتفي بمجرد أدوية، ونقول إنها شوية زعل وضيق؟ ، هل من حاول الانتحار مرة نتركه في شقة وحيداً، دون رعاية، إذا كان ساكناً في شقة بعيدة عن الأب والأم أو غير متزوج أو منفصل.
إلخ؟ ، كلها أسئلة مهمة، لا بد أن نجيب عنها علمياً، أنا لست طبيباً نفسياً لكني سأذهب لإرشادات الجمعية الأمريكية للطب النفسي، لكي أنقل لكم ماذا تقول عن الحالات المهمة التي يجب إدخالها إلى المصحة فوراً؟ ، تؤكد الإرشادات أن القرار لا يعتمد على تشخيص المرض في حد ذاته، بل على درجة الخطورة وفقدان السيطرة.
فليس كل مريض بالاكتئاب أو القلق يحتاج إلى دخول مصحة، لكن هناك حالات معينة يصبح فيها العلاج داخل المستشفى هو الخيار الأكثر أماناً وفاعلية، أولى وأهم هذه الحالات هو وجود خطر وشيك على النفس.
إذا عبّر المريض عن أفكار انتحارية واضحة، أو وضع خطة محددة، أو قام بمحاولة فعلية، فإن التوصية تكون بإدخاله إلى المستشفى فوراً لضمان سلامته.
هنا لا يكون الهدف تقييد الحرية، بل منع فقدان الحياة، الحالة الثانية هي الخطر على الآخرين، المرضى الذين يظهرون سلوكاً عدوانياً غير مسيطر عليه، أو يهددون بإيذاء الآخرين، يحتاجون إلى بيئة آمنة ومراقبة طبية دقيقة، لحمايتهم وحماية المجتمع، أما الحالة الثالثة فهي فقدان القدرة على الحكم السليم، كما في نوبات الذهان الحاد، حيث يعاني المريض من هلاوس أو ضلالات تجعله غير مدرك للواقع.
قد يرفض الطعام، أو يعتقد أنه غير قابل للموت، أو يتصرف بطريقة تعرّض حياته للخطر دون وعي، وتشير الإرشادات أيضاً إلى حالة تُعرف بعدم القدرة على رعاية النفس؛ حين يصبح المريض عاجزاً عن تلبية احتياجاته الأساسية من طعام ودواء ونظافة، بشكل يهدد صحته أو حياته.
في هذه الحالة، قد يكون الإدخال ضرورياً حتى دون موافقة المريض، ولا يقتصر الأمر على الأزمات الحادة، بل قد يُوصى بالدخول أيضاً عندما يحتاج المريض إلى علاج مكثف أو مراقبة دقيقة، مثل بدء أدوية لها تأثيرات جانبية محتملة، أو الحاجة إلى تدخلات متخصصة كالعلاج الكهربي أو جلسات تنظيم إيقاع المخ كما يسميها د.
أحمد عكاشة، وتفرّق الجمعية بين نوعين من الإدخال: طوعي، عندما يوافق المريض على العلاج، وإجباري، ويُستخدم فقط في حالات الخطر الشديد أو فقدان القدرة على اتخاذ القرار، المغزى الأهم في هذه الإرشادات هو أن الطب النفسي الحديث لا يسعى إلى «احتجاز» المرضى، بل إلى حمايتهم في لحظات الضعف القصوى.
فالمستشفى النفسي، في هذا السياق، يشبه وحدة العناية المركزة في الطب العام: لا يدخله الجميع، لكنه يكون حاسماً عندما تستدعي الحالة، المصحة النفسية ليست نهاية الطريق، بل أحياناً هي بدايته، هي مساحة آمنة، يُعاد فيها ضبط التوازن النفسي والبيولوجي للمريض، ليعود إلى حياته بشكل أكثر استقراراً، والسؤال المهم: كم تكلفة المصحات والمستشفيات النفسية الحكومية في مصر؟ ، لن أقول الخاصة، أنا شخصياً لا أعرف، ولكني في انتظار الإجابة، وإذا كانت التكلفة ليست في مقدور الفقير أو متوسط الحال فلا بد من مراجعة هذا الأمر، لأن المرض النفسي ليس نوعاً من الدلع، وعلاجه ليس ترفاً أو رفاهية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك