غزة – «القدس العربي»: في ركن ضيق لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار، تفوح منه رائحة التوابل الممتزجة برطوبة الجدران العتيقة، تجلس الحاجة مريم سليمان «أم أحمد» – ذات الثمانية والستين عاماً – لتستعيد شريط حياة ووريت خلف ركام منزلها في حي الشجاعية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، فلا مأوى لها اليوم سوى «مطبخ» صغير داخل مدرسة إيواء تابعة لـ وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في مدينة دير البلح، حيث حوّلت قسوة الظروف هذا المرفق الخدمي إلى سكن يفتقر إلى أدنى معايير الآدمية.
تقول والدموع ترسم أخاديد على وجهها المتعب: «أقسم بالله لم تكن حالي هكذا قط، لقد تدمرت حياتي تماماً يا أخي، والله لقد تدمرت.
لم تكن هذه هي الطريقة التي أعيش بها، ولم تكن هذه هي حياتي أبداً».
تواصل الحاجة مريم حديثها لـ «القدس العربي» بمرارة تعكس حجم الفقد الذي يتجاوز الجدران ليصل إلى الروح: «لقد فقدت الكثير من الأحبة، والله لقد فقدت الكثير؛ ماذا عساي أن أقول لك؟ لقد رحل أحبتي وأقاربي، وكل من كان يمنحني الدفء.
إنها صدمة مروعة لم أكن أتوقعها أبداً.
أنا الآن لا أملك شيئاً، ويحملونني أعباء لا أطيقها، وأنا لا أملك من حطام الدنيا فتيلاً».
تتذكر «أم أحمد» تفاصيل حياتها الرغيدة التي تحولت إلى ذكريات مؤلمة، فتقول: «أنا طوال حياتي لم أعتد أكل المعلبات؛ كنت أطهو الطعام الطازج في منزلي، مثل الفاصولياء وغيرها، ولم أتذوق مثل هذا الطعام قط.
كنت عزيزة مكرّمة في بيتي، آكل وأشرب مما أشتهي بكرامة، وفجأة، بين ليلة وضحاها، انهار كل ذلك».
وتتابع: «نحن ثلاثة أشخاص نعيش في هذا المكان الضيق الذي لا يكفينا أبداً، أقيم أنا وزوجي وابني، ومع ذلك يلاحقنا الضجيج والحسد حتى على هذا المطرح! أقسم أنه لا تصلني أي مساعدات، ولا أجد ما أحتاجه من ضروريات الحياة».
وتختم مريم شهادتها بوصف المعاناة اليومية في توفير أدنى المتطلبات: «لا يوجد لدينا غاز، وكل عملي يعتمد على إيقاد النار؛ فحين أريد إعداد كوب من الشاي أضطر إلى القيام بذلك في منتصف الليل، وأنا امرأة مسنة ومجهدة ولا أقوى على ذلك.
لقد بات صدري يؤلمني من دخان الحطب.
زوجي مريض ولا يستطيع مساعدتي، وقد حذره الطبيب من الاقتراب من النار، وكذلك أنا طُلب مني الابتعاد عنها.
فمن سيقوم بالطهي لنا إذن؟ ابنتي متزوجة ومنشغلة، والأخرى حالها بائس.
فماذا أفعل؟ ».
خفّت حدة أصوات المدافع في غزة في ظل الهدنة الهشة، لكن الحرب على كرامة الإنسان الغزي لا تزال قائمة في زوايا المطابخ والمراحيض والمرافق العامة.
توثق «القدس العربي»، في هذه السطور، مأساة آلاف النازحين الذين تحول «سكنهم المؤقت» إلى سجن دائم رغم مرور أكثر من خمسة أشهر على سريان الهدنة الأمريكية الهشة؛ فبين مسنة تقتات بؤسها في مطبخ ضيق، وأب حوّل «مرحاضاً» إلى غرفة نوم لأطفاله هرباً من قرّ البرد في الخيام، وسيدة تعيش في صالة عامة بلا خصوصية، تتجلى أبشع صور العيش غير الآدمي.
لم يعد النزوح مجرد حالة طارئة، بل صار استنزافاً يومياً للكرامة داخل جدران متآكلة تفتقر إلى أبسط مقومات البقاء.
بعد أكثر من خمسة أشهر على سريان الهدنة، لا يزال النازحون ينتظرون وطناً حقيقياً يتجاوز بضعة أمتار من الخدمات العامة التي تحولت بفعل الحاجة إلى مساكن قسرية، في ظل واقع مرير يفرض عليهم القبول بما لا يقبله عقل أو منطق إنساني.
وفي مواصي خان يونس، حيث الرمال التي لا ترحم والخيام التي ضاقت بساكنيها، وجد محمود ناصر «أبو شادي» نفسه مضطراً إلى اتخاذ قرار يفوق طاقة البشر على الاحتمال.
محمود الذي كان يمتلك شقة سكنية أنيقة في الطابق الثالث بمعسكر جباليا، يعيش اليوم مع عائلته داخل دورة مياه عمومية.
يتساءل بمرارة: «هل يمكن لأحد أن يتخيل أن تتحول دورة مياه مساحتها متر واحد إلى غرفة نوم لعائلة كاملة؟ هذا هو حالنا اليوم.
لقد قمت بتنظيف هذا المكان الصغير بكل ما أملك من قوة، وفرشت على أرضيته المبتلة قطعاً من الكرتون وبعض الأغطية البالية لننام فوقها».
يصف محمود العيش في هذا الحيز الضيق بأنه معركة يومية مع الروائح والرطوبة، قائلاً لـ «القدس العربي»: «الرائحة هنا خانقة، والرطوبة تتسرب إلى عظام أطفالي، لكن ليس أمامنا خيار آخر؛ فالفصول الدراسية ممتلئة، والساحات مكشوفة تحت القصف والمطر.
نحن نعيش في ذل لا يرتضيه بشر؛ نأكل وننام في المكان ذاته الذي يقضي فيه الناس حاجتهم.
لقد تبخرت كرامتنا وسط هذا الزحام الخانق».
ويضيف «أبو شادي» والأسى يعصر قلبه: «أصبح أقصى طموحي أن أجد مكاناً جافاً يتسع لأطفالي كي يمددوا أجسادهم دون أن تلامس جدران هذا الحمام الموحش.
إننا نعيش في قاع المعاناة، حيث تتحول الضرورات الحيوية إلى أحلام بعيدة المنال، وحيث تصبح الجدران التي كانت يوماً رمزاً للستر شاهداً على انكسارنا أمام مرأى العالم أجمع».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك