كأنها محاولة للخروج من زمن الحروب الذي استغرق، حتى الآن، ما يزيد عن الخمسين سنة من حياتنا.
أتخيّل رشيد الضعيف منكبّا على كتابة روايته، في ما الحرب مندلعة، أو متهيّئة للاندلاع في الخارج.
ولم يرجع في ما يكتب إلى زمن سلمي مرّ فيه لبنان، كما أنه لم يوحِ بأن ما يكتبه يرمز إلى شيء في ما يجري الآن حوله.
لقد ابتعد إلى حيث لا زمن، هناك حيث يتواجه الجنّ مع الأنس، حين لم يكن العالم قد بُني عليه شيء بعد.
إلى ذلك الزمن الأكثر بعداً حيث المواجهة بين الأنس والجنّ كانت ما تزال قائمة وفي أوجها، والأرض مساحة مشتركة بينهما.
آنذاك كان على الجنّي أن يتجنّب الخروج حين لا تكون الشمس ساطعة بقوّة، مدركا أن ضوءها قد يهلكه.
وقد حرص الضعيف على أن يصف، في سياق سرده، تاريخ ذلك «التعايش»، رادّا إياه إلى وقت ما طُرد آدم من الجنة.
وهذا ما دفع إبليس إلى التعاطف مع آدم متعهّدا له أن يخصّص لكل ّإنسيّ جنّيا يرعاه إلى حين وفاته.
إلا أن ما جرى بعد ذلك، خالف ذاك التعهد، إذ أن أحفاد إبليس تمرّدوا ونقضوا عهده، بل إنهم انقسموا هم أنفسهم بين من لا ميل فيهم إلى أذيّة الأنسيين، ومن يخالفونهم في ذلك.
على أن هؤلاء الأخيرين كانوا أكثر الجان، حسبما يُستخلص من قراءة الرواية.
وفي حين يسير الإنسيّان رماعيل ولبنى في خطّ حياة مستقيم، يرسخ عيش الجان في زمن مغلق.
فالقبيلتان من الجنّ يظلّان يتواجهان بمعارك لا ينهزم فيها أيّ منهما، حيث «كُتب على جميع قبائل الجن ألا تنتصرالوحدة على الأخرى انتصارا حاسما، ولا أن تُفني الواحدة الأخرى».
وهم، الذين لا يتقدم بهم الزمن، يظلون كما هم ولا يتغيّرون مع تقدّم الأعمار، كما حصل لعائلة رماعيل التي انجبته، ثم صار بعد ولادته طفلا، ثم شابا تعلقّ بلبنى وتعلّقت به.
كما أن الجان، في مطاردتهم لرماعيل يستطيعون الظهور والاختفاء، حسبما يشاؤون، بل إنهم يستطيعون، من دون جهد يذكر أن يجعلوا الإنسيّ جنيّا، مثلما يستطيعون هم أن يتحولوا إلى بشر فيتخذ رئيّ رماعيل، أي منازعه، هيأته الإنسية ليقيم بدلا منه في بيت أهله.
لهذا كان على رماعيل، بطل الرواية، ولبنى، بطلتها، أن يخوضا جولات هروب ليست سهلة ضدّ من هم مختلفون عنهم إلى حدّ أن لا فرق عندهم بين المسافة القصيرة والمسافة الطويلة، فالزمان والمكان عندهم مجموعان في اللحظة، يجولان فيها ذهابا وإيابا في طرفة عين».
هكذا يحاول الكاتب أن يستعيد زمن الجنّ الذي كان كثير الحضور في القصّ العربيّ القديم، باعثا إياه من جديد.
لكن لن تقتصر مهمّتـه على تقديم الجنّ كما كان ظهوره في ألف ليلة وليلة.
فآنذاك لم يكن استحضاره غريبا لقرّائه، كما للأنسيين الذين حوله.
كان وجودهم ما يزال مصدَّقا آنذاك، فيما الآن يحتاج إلى جهد تخيّلي فظيع كان على رشيد الضعيف، بذله في إعادتهم إلينا.
كان عليه أن يعرّفنا بهم مقدّما لهم بتعاريف وأوصاف تطال أشكالهم وأنواعهم وعاداتهم، وعما يختلفون فيه عن البشر.
وهذا يحتاج إلى جهد تخيّلي، فتلك المطاردة بين الجنّي والإنسي تلتزم تعريفا مسبقا لما تتميّز به قدرة الجني وفقدان الإنسيّ لهذه القدرة.
ولهذا رغم تلك المشقّات، ربما ستنتهي الرواية بطريقة ما يروي الإنسيون حكاياتهم، أي أن يتغلبّ رماعيل ولبنى على كل ما اعترضهما ليعيدا كل شيء إلى مكانه الآدميّ الصحيح، أي إلى ما قبل أن تعبث به نوازع أشرار الجنّ.
في روايته «ندم إبليس» يعود رشيد الضعيف إلى مفاجأة قرّائه بكتابة خارج ما كان ينتظرونه.
يحبّ أن يحمل إلى الرواية مَن، وما، لم يسبق لهم أن كانوا من أبطالها.
ودائما يثير في قرّائه التساؤل عن طبيعة تلك التجربة وما هي الغاية منها، وإلى أين سيصل بها.
هذه المرة بقيت أتساءل، أنا قارئه، لمن قام بكتابة هذه الصفحات التي نافت على المئة والخمسين؟ إلى أيّ جمهور توجّه؟ هل أحب أن يعيد الكبار صغارا، أو أنه أراد أن يعيد الكتابة كما كانت في ماضيها القديم؟ لقد سبق له أن قام بتلك التجربة في كتاب استلهم فيه، للكبار، عالم الكتابة للصغار وسماه «أنسي يلهو مع ريتا».
«ندم إبليس» رواية رشيد الضعيف صدرت عن دار الساقي في 158 صفحة – سنة 2025.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك