يُروى أن الشاعر الكبير أبو الطيب المتنبي، لما اعترض طريقه قطاع الطرق، حاول الانسحاب، غير أن أحد مرافقيه ذكّره ببيته الشهير: “الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم” فعاد إلى المواجهة.
استحضرتُ هذه القصة قبل أسابيع، عندما سألت وزير العدل عبد اللطيف وهبي بمقر البرلمان، عن سبب عدم تفعيله ما دعا إليه في مقال بعنوان “تعثرات العملية التشريعية”، منشور في كتاب جماعي سنة 2015، حيث انتقد آنذاك إحالة مشاريع قوانين على البرلمان دون إرفاقها بدراسة الأثر، معتبرا أن ذلك ينقص من جودة النقاش التشريعي.
واكتفى الوزير في معرض رده على سُؤالي، بالعبارة التالية: “ما بغيتش”، التي تعني بالفصحى “لا أريد” قبل أن يغادر القاعة التي احتضنت بداية العام الجاري يوما دراسيا حول مشروع قانون تنظيم مهنة العدول.
لايبدو أن الشعر وحده هو ما يُنسى، بل حتى المقالات أحيانا، وعبارة “مابغيتش” مُفارقة لافتة للمقارنة بين “النظرية” عندما كان وهبي يشغل مقعدا برلمانيا في صفوف المعارضة وبين “التطبيق” عندما أصبح وهبي يشغل مقعدا في المجلس الحكومي، وهذه المفارقة هي التي كانت وراء استدعاء شاعر كبير في حجم المتنبي إلى قبة البرلمان لطرح السؤال التالي: إلى أي حد يظل الفاعل السياسي مخلصا لما يدافع عنه حين يَنتقل من المعارضة إلى تدبير الشأن العام؟ويمكن أيضا على طريقة أحد مرافقي المتنبي، تذكير وزير العدل بما كتبه في مقال يحمل عنوان “الأغلبية الحكومية والانحراف التشريعي”، منشور في الكتاب المذكور أعلاه قدّم فيه “تأطيرا” لمفهوم الانحراف التشريعي بالاستناد إلى تطبيقاته في المجال الإداري من خلال “استعمال السلطة لتحقيق أهداف غير تلك التي خولها لها القانون”، ليخلص إلى أن إثبات الانحراف التشريعي أكثر صعوبة من إثبات الانحراف الإداري، لارتباط الأول بتداخل الإرادة السياسية وصعوبة إثبات نية المشرع، ولا يستبعد وهبي حدوث ذلك، خاصة حين تتحول القاعدة القانونية إلى أداة لخدمة مصالح فئوية أو سياسية ضيقة.
وتكتسب المقالات التي كتبها عبد اللطيف وهبي عندما كان برلمانيا راهنيتها عند إسقاط مضامينها على مشروع قانون تنظيم مهنة العدول الذي أعدته وزارته وأحالته على البرلمان دون إرفاقه بدراسة الأثر، خلافا لما تنص عليه المادة 19 من القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، وهو ما ظل يطالب به وهبي عندما كان معارضا برلمانيا.
كما تتقاطع الملاحظات المثارة في مقاله حول مظاهر الانحراف التشريعي مع النقاش الدائر حول حذف آلية الإيداع من مشروع قانون العدول واحتكارها من قبل الموثقين، بينما تُعد ضمانة أساسية لحماية أموال المتعاقدين.
*باحث في القانون وعدل باستئنافية الرباط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك