أكدت الدكتورة أميرة الخياط، استشاري طب وجراحة الحيوانات الأليفة، أن العالم في عام 2026 لم يعد يشهد مجرد نزاعات إقليمية محدودة، بل يواجه أزمة مركبة تهدد واحدة من أهم ركائز بقاء الإنسان، وهي الثروة الحيوانية وسلاسل الغذاء.
وأوضحت أن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في التوترات الظاهرة، بل في التأثيرات العميقة التي تتشكل بصمت، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد الزراعي والصحة البيطرية، في مشهد معقد يهدد استقرار الإمدادات الغذائية على مستوى العالم.
وأضافت أن تعطل الشرايين الحيوية للتجارة العالمية يمثل أحد أبرز أوجه الأزمة، مشيرة إلى أن السيطرة على المضائق البحرية الاستراتيجية أدت إلى إرباك حركة نقل المواشي الحية، وهي تجارة تعتمد عليها أسواق كبرى في الشرق والغرب.
ولفتت إلى ظهور ظاهرة سفن المواشي العالقة، حيث تواجه آلاف الرؤوس من الحيوانات خطر النفوق نتيجة طول المسارات البحرية البديلة، ونقص الأعلاف، والإجهاد الحراري.
وأشارت إلى أن تقارير منظمة الأغذية والزراعة تؤكد أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد الحيواني ينعكس مباشرة على ارتفاع أسعار البروتين الحيواني عالمياً، وهو ما بدأ بالفعل في الظهور عبر مؤشرات الأسواق الدولية.
وأكدت أن التداعيات لا تتوقف عند النقل فقط، بل تمتد إلى مدخلات الإنتاج، حيث تُعد مناطق النزاع لاعباً مهماً في إنتاج اليوريا والأمونيا، وهما عنصران أساسيان في صناعة الأسمدة التي يعتمد عليها إنتاج الذرة والصويا، المكونين الرئيسيين لأعلاف الحيوانات.
وأوضحت أن تعطل هذه الإمدادات يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع هوامش الربح، ولجوء المربين إلى الذبح الاضطراري لتقليل الخسائر.
وفي سياق متصل، حذرت من أخطر ما تفرزه هذه الصراعات، وهو ما وصفته بـ" السيولة الوبائية"، حيث يؤدي انهيار أنظمة الحجر البيطري وضعف الرقابة الحدودية إلى خلق بيئة مثالية لانتشار الأمراض العابرة للحدود، مثل الحمى القلاعية وأنفلونزا الطيور، مع زيادة احتمالية ظهور سلالات جديدة قد تمتد آثارها إلى قارات كاملة.
وأضافت أن المزارع الحديثة، التي تعتمد على أنظمة ذكية للتحكم في التهوية والتبريد والحلب، أصبحت مهددة أيضاً، في ظل استهداف البنية التحتية للطاقة وارتفاع أسعار الوقود، ما يؤدي إلى شلل هذه الأنظمة، وبالتالي تلف كميات كبيرة من الألبان واللحوم، ونفوق أعداد من الدواجن خلال ساعات، وخسارة دورات إنتاجية كاملة.
وفي ختام تصريحها، شددت الدكتورة أميرة الخياط على أن مواجهة هذا المشهد لم تعد تقتصر على احتواء الأزمات، بل تتطلب تفعيل ما يُعرف بالدبلوماسية البيطرية الدولية، والتي تشمل إنشاء ممرات آمنة لنقل المواشي والأعلاف تحت إشراف دولي، وتكوين مخزون طوارئ من الأعلاف، وإطلاق وحدات تحصين متنقلة للعمل داخل المناطق المتأثرة، إلى جانب تحييد سلاسل الغذاء عن الصراعات، وتطوير منصات إنذار مبكر لرصد وتتبع الأمراض الحيوانية.
واختتمت بالتأكيد على أن الأزمات الغذائية القادمة لن تكون نتيجة نقص الموارد، بل نتيجة سوء إدارتها في زمن الصراعات، مشيرة إلى أن التوتر في منطقة ما قد لا يظهر تأثيره فوراً في مناطق أخرى، لكنه يتحول لاحقاً إلى ارتفاع في الأسعار أو نقص في الغذاء أو أزمات صامتة تهدد الاستقرار العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك