ليست الأزمة التى تشهدها أكاديمية الفنون حالياً، بعد الخلاف الذى دب بين قسم التصوير بمعهد السينما وعميدة الأكاديمية حول قيام مجلس الأكاديمية بإلحاق طالب من خارج القسم بالدراسات العليا، لمجرد أنه ابن أحد الأساتذة الكبار، مجرد حادث استثنائى فى تاريخ الأكاديمية والمنظومة التعليمية فى مصر.
المختلف فقط هو رد الفعل الشجاع لأساتذة قسم التصوير الذين اعترضوا على القرار المخالف لقوانين وأخلاقيات النزاهة التعليمية، ثم ما ترتب على اعتراضهم من محاولات ترهيب وقمع وخروج الموضوع إلى العلن.
علينا أن نعترف بالواقع المتردى لتاريخ من الفساد والمجاملات واستبعاد الكفاءات، وهو تاريخ يعرفه كل من يقترب من هذا العالم الغامض المغلق على أسراره داخل الأكاديمية، والذى يمتد إلى عقود سابقة كثيرة لم ينقطع فيها حبل التوريث والفساد، والقاصى والدانى يعلم كم من حكايات مؤسفة تجرى وراء أسوار الأكاديمية العريقة.
وكم من طالب شاء حظه من الدنيا أنه ابن أحد الأساتذة، فتم إلحاقه بأحد المعاهد الفنية دون وجه حق، وكم منهم نجح بتفوق لا يستحقه، وتم تعيينه معيداً، وتعميده دكتوراً، وترقيته أستاذاً، وتنصيبه عميداً.
وحين ننظر إلى منجزه الأكاديمى أو الفنى نجد أن النتيجة أقل من الصفر.
ربما فقط حان وقت المكاشفة وخروج هذه الأسرار السوداء إلى العلن!ويكشف التردد الذى واجهت به عميدة الأكاديمية الدكتورة نبيلة حسن الأزمة، بداية بإحالة قسم التصوير كله إلى التحقيق، ثم إصدار بيان (شبه تبريرى واعتذارى) تستشهد فيه رئيس الأكاديمية بالقوانين واللوائح والقواعد والذى منه من «تستيف» أوراق نعرف أنها قد تُستخدم لتحقيق العدالة حيناً، ولخرق هذه العدالة أحياناً.
وليس أدل على أن هناك شيئاً فاسداً فى الدنمارك سوى ادعاء البيان بأن مجلس الأكاديمية سعى لحل الأزمة ودياً وبالتراضى والمحبة، غير أن أساتذة قسم التصوير ركبوا رأسهم وأصروا على المواجهة.
وحسناً فعلوا، على الأقل ليعرف الناس بعض ما يدور داخل هذا المبنى الكهنوتى الغامض.
ولعل الأزمة تتحول إلى شرارة لكشف عشرات وعشرات الحالات المماثلة التى تجرى وجرت خلال العقود الماضية، وأعتقد أنها مادة تصلح لكتابة موسوعة شاملة تحت عنوان «الطالب الميمون فى أكاديمية الفنون» أو شىء من هذا القبيل!وحتى لا نظلم رئيسة الأكاديمية التى تولت منصبها منذ شهور معدودة يجب أن نؤكد أن الظاهرة قديمة وأنها قد لا تكون مسئولة عن الأزمة الأخيرة، ولكن أعتقد أنها باتت مسئولة الآن عن محاولة، مجرد محاولة، إصلاح هذا الكيان العريق المريض.
وأتمنى من السيدة العميدة أن تتخذ من هذه الأزمة فرصة للتطهير.
يأخذنا حديث أزمة الأكاديمية إلى موضوع أكبر هو دراسة السينما فى مصر، والتى ظلت حكراً على المعهد العالى للسينما لعقود، باستثناءات لأفراد درسوا فى معاهد أو مؤسسات خارج مصر، ولكن مع ثورة الديجيتال، التى اجتاحت مصر والعالم مع الألفية الجديدة، ظهر ما يُعرف بالسينما المستقلة، والتى ضمت عدداً كبيراً من الهواة، ثم مع تأسيس بعض الأكاديميات والمدارس الخاصة مثل أكاديمية رأفت الميهى ومدرستى جيزويت الإسكندرية والقاهرة وغيرها من الكيانات الصغيرة التى تخرَّج فيها عشرات من السينمائيين الشباب.
بمرور الوقت نجح هؤلاء المستقلون فى اختراق الصناعة والسوق، وصنعوا أعمالاً حققت النجاح الجماهيرى ووصلت إلى المهرجانات العالمية حتى دخلوا مجال الدراما التليفزيونية.
وأتمنى أن يقوم أحدهم بعمل إحصائية عن المخرجين والمصورين والمونتيرين وكُتاب السيناريو الذين يعملون فى الصناعة حالياً، ليخبرنا كم منهم خريج معهد السينما، وكم منهم أستاذ أو دكتور بالمعهد، وكم منهم من خارج المعهد.
وليس هدفى هنا أن أقلل من المعهد ولا خريجيه.
على العكس فقد تخرَّج فى المعهد عشرات الأسماء العظيمة، خاصة فى الستينات والسبعينات، وحتى خلال العقدين الأخيرين، ولكن الصورة تحتاج إلى تقريب وتوضيح من خلال الإحصائيات والتفاصيل.
وأعتقد أن «المستقلين» مساحتهم تزداد باستمرار، فيما تتراجع مساحة المعهد خلال العقدين الماضيين.
وقد يكون ذلك للتطور الذى شهده تعليم السينما خارج الأكاديميات الرسمية، وربما لتراجُع هذه الأكاديميات على مستوى المناهج والأساتذة ودرجة الحرية الإبداعية والتعليمية التى يتمتع بها كل فريق.
خلاصة الكلام أن المعهد العالى للسينما فى مصر واحد من أعرق وأفضل مدارس السينما فى العالم.
ولكن هل لا يزال يحتفظ بهذه المكانة؟ وهل يتطور مع الزمن؟ أم أنه يزداد تراجعاً وتيبساً بفعل البيروقراطية والفساد؟أسئلة تحتاج إلى المناقشة والمكاشفة والصدق، فهى السبيل الوحيد إلى التطوير.
من المعهد ودراسة السينما إلى الواقع على الأرض: فى العامين الماضيين نجحت بعض الأفلام المصرية فى المشاركة فى مهرجانات عالمية ومحلية وحققت نجاحات كبيرة، منها على سبيل المثال «عائشة لا تستطيع الطيران» لمراد مصطفى، «خروج آمن» لمحمد حماد، «أبوزعبل 89» لبسام مرتضى، «دخل الربيع يضحك» لنهى عادل، «المستعمرة» لمحمد رشاد، «كولونيا» لمحمد صيام و«رفعت عينى للسماء» و«البحث عن خروج آمن للسيد رامبو» وغيرها.
وقد لاحظت، خلال عملى فى المهرجانات السينمائية المختلفة خلال السنوات العشر الماضية، من الإسماعيلية إلى القاهرة مروراً بالإسكندرية وغيرها، أن الأفلام التى تقدم للمشاركة وتنجح فى نيل اهتمام لجان المشاهدة واستحقاق القبول معظمها من الإنتاج المستقل، وليس من معهد السينما أو الكليات الأكاديمية الكثيرة التى انتشرت فى الجامعات الحكومية والخاصة مثل كليات الإعلام والدراسات الفنية المختلفة.
ويمكننى القول، غير جازم، إذ يحتاج الموضوع إلى إحصاء، إن المرتبة الأولى للمستقلين، ثم للجامعات الخاصة، ثم للجامعات الرسمية!لم تزل الهوة واسعة بين السوق والصناعة وهذه الأفلام الفنية، ومنها حتى ما لم يتمكن من الحصول على تراخيص العرض الجماهيرى مثل «عائشة.
» و«ريش» من قبله، بالرغم من أن بعضها نجح فى اختراق هذا الحصار وحقق نجاحات جماهيرية معقولة فى سينما «زاوية».
ولكن الملاحظ أن النسبة الأكبر من الأفلام المصرية التى تنجح فى المهرجانات العالمية والإقليمية ويمكن القول إنها أفلام فنية جيدة، هى لصُناع أفلام مستقلين لم يلتحقوا بالمعهد العالى للسينما.
هل معنى ذلك أن معهد السينما فقد مكانته؟ أو أن مستواه التعليمى يتراجع؟ لا أدَّعى ذلك، ولكنها أسئلة تحتاج إلى المناقشة لفهم ما يحدث حقاً.
فى كل عام يتخرج فى المعهد ما يقرب من 100 طالب، الكثير منهم يتمتع بالموهبة والكفاءة، وقد شهدت بعينى الكثير من مشاريع التخرُّج، وبعضها ينم عن إمكانيات كبيرة.
فما المشكلة، إذاً؟هل هناك طريقة فى التعلم والتعليم تحد أو تزيد من الطاقة الإبداعية وحرية الخيال والاستعداد للتعلم الدائم والتواضع والتحايل على الظروف الإنتاجية والرقابية؟بشكلٍ عام، وحتى لا نقع فى المبالغة، علينا أن نواجه حقيقة أن سقف الإبداع فى مصر يرتفع بدرجات، ولكنها لا تعادل الدرجات التى يرتفع بها هذا السقف فى بلاد العالم، وحتى فى بلاد عربية شقيقة، مثل تونس والمغرب ولبنان، وحتى السعودية، التى حُرمت ومُنعت فيها السينما لأربعة عقود، تشهد حالياً طفرات هائلة فى تعليم السينما وإنتاجها.
علينا أن ننتبه، خاصة ونحن نتحدث عن تطوير الفنون، أن المسألة باتت ضرورية وملحة بالفعل، ولكن الأهم هو أن نعرف شروط التطوير الحقيقية: من كفاءة ونزاهة العملية التعليمية والحصول على الفرص، وصولاً إلى تحرير الخيال والطاقات الإبداعية، وحتى مصاحبة ذلك كله بالاهتمام بالمؤسسات والنشاطات التثقيفية والتذوق الفنى فى المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والمهرجانات وغيرها.
فى النهاية، لن يوجد تطوير للفن والفنانين من دون تطوير للجمهور!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك