في الوقت الذي كان ينتظر فيه أن تشعل التوترات الجيوسياسية بريق المعادن النفيسة، اختارت الفضة مسارا مغايرا فمنذ اندلاع حرب إيران، هوت أسعار الفضة لتسجل أسوأ أداء بين المعادن، متراجعة بنحو 18%، لتتحول من نجمة المضاربات في مطلع العام إلى الضحية الأولى للبحث عن السيولة.
رحلة الفضة من القمة للقاعبدأت الفضة عام 2026 بحمى شرائية صينية قادت الأونصة إلى ذروة 117 دولارا، لكن هذا الزخم تبخر مع دقات طبول الحرب، وبدلا من أن تلعب دور" الملاذ الآمن" التقليدي، تراجعت الأسعار لتلامس قاع العام عند 67 دولارا في مارس الماضي، قبل أن تستقر حاليا فوق مستويات 78 دولارا، في تعافي يوصف بأنه الأبطأ والأكثر هشاشة مقارنة بالذهب.
رغم النزيف السعري، تظهر الأرقام واقعا مغايرا تماما في الأساسيات، فالعالم يعيش السنة السادسة على التوالي من عجز الإمدادات، حيث يتوقع" معهد الفضة" عجزا قدره 67 مليون أوقية في 2026، كما لا يزال الذكاء الاصطناعي، السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية تلتهم المخزونات، حيث باتت الفضة" معدنا حرجا" في القوائم السيادية للدول، وهذا في الوقت الذي ينتج فيه نحو 80% من الفضة كمنتج ثانوي (نحاس وزنك)، مما يجعل المعرض غير مرن ولا يستجيب بسرعة لارتفاع الأسعار.
لماذا صمد الذهب بينما تعثرت الفضة؟السر يكمن في الغطاء الذي يوفره البنوك المركزية للمعدن الأصفر، فالذهب يحظى بدعم مؤسسي رسمي كجزء من الاحتياطيات الدولية، بينما تفتقر الفضة لهذا الدعم، مما يجعل قيمتها الإجمالية في خزائن لندن حوالي 40 مليار دولار ضئيلة جدا مقارنة بتريليونات الذهب، ويفسر التقلبات الحادة التي تعصف بها.
سيناريوهات اليوم التالي للحربفي حال انتهت الحرب، ترسم الأسواق ثلاثة مسارات للفضة، المرحلة الأولى تتمثل في هبوط سريع ومؤقت بفعل تلاشي" علاوة الحرب"، والثانية استقرار سعري تزامنا مع هدوء الدولار وتراجع النفط، أما المرحلة الثالثة فهي انطلاقة تعتمد على النشاط الاقتصادي العالمي والطلب الصناعي.
ولذلك فإن الفضة اليوم ليست مجرد معدن للمضاربة، بل هي" ترمومتر" للصراع بين مخاوف الركود وحاجات التكنولوجيا التحتية، وإذا كان الصمت حاليا هو سيد الموقف، فإن العجز التراكمي في الإنتاج يشير إلى أن الانفجار السعري القادم قد يكون مسألة وقت، بمجرد أن تضع الحرب أوزارها وتستقر بوصلة الفائدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك