فكثيرًا ما ينتابني الشعور بأن ما جرى في تلك المؤسسات لم يكن لمجرد استبدال وسيط ورقي بآخر إلكتروني، بل ربما كان مسارًا متعمدًا لإخضاع المؤسسات الصحفية الوطنية، باللعب على أوتار" الاندماج المهني" لدى التيارات المعارضة، لاستخدامها كوقود لمحركات التغيير وزعزعة الأوطان من الداخل.
إن القراءة المتأنية لمسار الأحداث منذ عام 2005 تكشف أن تآكل" الوعي الوطني" لم يكن أثرًا جانبيًا للتكنولوجيا، بل كان نتيجة لعملية" تفكيك ممنهجة" تبلورت عام 2009، وبدأت مساراتها في وسائل الإعلام الوطنية والصحف القومية، بعد أن أدرك مهندسو" الشرق الأوسط الجديد" أن القضاء على محفزات الوعي الجمعي لن يمر إلا عبر تحطيم المؤسسات القومية التي تؤمّن العقل العام ضد تغييب الوعي، واستبدالها بـ" منصات رقمية" تديرها خوارزميات الغضب.
ففي عام 2005، وبينما كان العالم يحتفل بإطلاق الإصدار الثاني لشبكة الإنترنت (Web 2.
0) كفضاء يخضع للمشاع المعرفي، كانت هناك استراتيجية أعمق تُنسج في" مختبرات وادي السيليكون" لتستخدمها القوى الدولية الساعية إلى تطبيق مشروع" الشرق الأوسط الجديد".
فالهدف لم يكن يومًا تمكين الشعوب تقنيًا، بقدر ما كان تفكيك" الرواية الوطنية الجامعة في الشرق الأوسط" عبر إضعاف المؤسسات الصحفية القومية، واستبدالها بـ" منصات رقمية" تُدار أيديولوجيًا عبر خوارزميات الغضب وترسيخ الإحباط.
والحقيقة أن تراجع المؤسسات الصحفية القومية في تلك الفترة ـ ومنها مؤسسة الأهرام مثلًا ـ لم يكن مجرد نتيجة لتراجع الأرباح أو تدهور الإدارة، بل كان هدفًا استراتيجيًا لمنع تشكّل وعي وطني رصين قد يقف كحائط صد أمام" السرديات المجزأة" التي انتشرت عبر الفضاء الإلكتروني" الجديد".
لقد أدرك دعاة التغيير الجيوسياسي أن السيطرة على الشعوب تتطلب أولًا تحطيم" البوصلة" التي توجه العقل العام العربي عبر استخدام التكنولوجيا الجديدة كأداة للخلخلة لا البناء.
ومن خلال تهميش دور الصحافة القومية لصالح" إعلام المنصات الاجتماعية التوسعية"، جرى تحويل المواطن من" قارئ واعٍ" إلى" مستهلك محبط".
ومع غياب الرواية الوطنية الموثقة، ملأ الفراغ" إقطاعيو السحاب" من أمثال إيلون ماسك وزوكربيرغ عبر فقاعاتهم التي تروج للاستقطاب، مستفيدين من ثقافة" تسليع الهوية" التي غرسها التوجيه الثقافي والدرامي الغربي لسنوات.
المحور الأخطر في هذا المخطط كان، ولا يزال، يتمثل في استغلال" شعور الاستبعاد" لدى التيارات السياسية المعارضة، سواء كانت إسلامية أو يسارية أو ليبرالية، أو غيرها.
وهنا تبرز حركات مثل" كفاية" وحركة" 6 إبريل" كأمثلة حية على كيفية إدارة مخزون الإحباط المتراكم.
لقد تم توظيف مثل هذه الحركات في سياق" هندسة الاستبعاد"، حيث وجد المنتمون إليها في الفضاء الرقمي تعويضًا عن استبعادهم من المجال العام التقليدي والرسمي.
وتحت ستار" البرامج التنموية وتطوير الصحافة"، التي نفذتها جمعيات ومنظمات غير حكومية محلية، وباستخدام دورات مثل" صحافة المواطن"، ودورات التدريب على نظم الانتخابات وغيرها من التدريبات على النشاط السياسي، جرت صناعة" النخبة الوظيفية" للمشروع الاستعماري الرقمي، حيث تم استقطاب عناصر محبطة من هذه الحركات وغيرها، وتدريبها على يد قيادات تعتنق الفكر المعارض للأنظمة الحاكمة، وبتمويلات كبيرة.
لكن الهدف لم يكن إحداث" تنمية وطنية"، بل كان تدريب هؤلاء كـ" قادة رقميين" قادرين على اختراق المجتمعات وتوجيه الغضب نحو" هدم المؤسسات" بدلًا من إصلاحها، وهو ما ظهر جليًا في آلية الحشد الرقمي التي سبقت وأعقبت يناير 2011.
ومن خلال انتشار منصات المشاريع الإلكترونية في الصحافة القومية عام 2009، وبدعم أمريكي كبير، وفرت تلك المنصات لهذه التيارات" مساحة بديلة للانتماء" اتجهت إلى تحطيم الأفكار المنتمية إلى الدولة الوطنية.
وبدلًا من بناء صحافة وطنية واقعية، انخرطت هذه القوى في معارك" هاشتاج" عابرة للحدود، مما خلق انفصالًا بين النخب الصحفية والإعلامية وبين قواعدها الشعبية، وجعلها ـ ربما دون وعي ـ أداة لتنفيذ أجندات" الدبلوماسية الرقمية" الغربية.
وقعت النخب المعارضة في فخ" الإقطاع التقني"، حيث تحولت من قوى سياسية إلى" كيانات وظيفية" تخدم ريع المنصات العالمية.
فالخوارزميات التي صُممت في وادي السيليكون لم تكن تهدف إلى جمع العرب على مشروع وطني، بل إلى استدعاء" العصبيات" الطائفية والعرقية والأيديولوجية وتضخيمها.
وكانت النتيجة تحول" المجال العام" العربي إلى مختبر لتجربة أدوات السيطرة السلوكية، حيث استُخدمت أحلام التغيير لإنتاج بيانات ضخمة، عبر نمط جديد أُطلق عليه اسم" صحافة البيانات"، ليخدم في النهاية" رأس المال السحابي".
والحقيقة إن الوعي بهذه" الهندسة الاجتماعية" هو الخطوة الأولى لبناء حائط صد وطني يعيد للصحافة القومية هيبتها وقدرتها على قيادة العقل العام.
وهذا ما ينبغي أن يجعلنا نصرّ على الحفاظ على المنصات القومية الرقمية خارج عباءة" جوجل وميتا"، لتظل منصات تتبع منطق" بناء الوطن والمواطن" لا" خطف انتباهه" بالإثارة الزائفة.
والحقيقة أيضًا أن ما يبعث على الأمل هو وجود ما يمكن أن نطلق عليه" نوستالجيا الرصانة" لدى شباب الصحفيين في المؤسسات القومية.
وما لاحظته أيضًا لدى الشباب من طلاب الجامعات الذين ارتادوا برنامج تدريب" منحة حسني جندي" بالأهرام ويكلي على مدار السنوات الماضية، إذ لاحظت أن هؤلاء الشباب يتحدثون من تلقاء أنفسهم عن كيف اكتشفوا زيف" التريند"، وباتوا يتطلعون إلى تقديم محتوى يحترم عقل القارئ ويحمي أمن الوطن المعلوماتي.
وأخيرًا، فإنني أظن أن المعركة اليوم هي بين" الخوارزمية الاستعمارية" التي تريد تحويل شباب الوطن العربي إلى عبيد رقميين يتصارعون في" غرف صدى"، وبين" الوعي القومي" الذي يجب أن يستعيد دوره في توجيه الأوطان نحو الاستقرار والتنمية.
إن مجابهة المشروع الاستعماري الرقمي تبدأ من امتلاك" الأرض الرقمية" أو المنصة السيادية، وأظن أن" البذرة" هنا هي، بلا شك، المحتوى الوطني الرصين.
هذه البذرة ستنبت حتمًا أشجارًا ذات جذور قوية من الوعي الجمعي، ستكون هي حائط الصد الحقيقي لحماية أمن الوطن العربي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك