في شهر مارس/ آذار الماضي، دشّنت وزارة الثقافة المصرية مشروعاً لتقديم عروض الأراجوز داخل محطات مترو الأنفاق في القاهرة.
وفي الوقت نفسه، يخصص صندوق التنمية الثقافية جانباً من نشاطه الأسبوعي لتقديم هذه العروض المجانية في ساحة بيت السحيمي، أحد الأبنية القاهرية الأثرية التي تعود إلى منتصف القرن السابع عشر، كل يوم جمعة منذ نحو عشر سنوات.
تعتمد هذه العروض عادة على نصوص موروثة، تتضمن حكاية أو عظة اجتماعية، ويمثل أبطالها طبقات متنوعة من المجتمع، على رأسهم يأتي الأراجوز، وهو شخصية إشكالية ومراوغة تتسم بالحكمة والذكاء، وتتسلح بالسخرية.
يقول الفنان محمود سيد، المؤدي الرئيس في فرقة" ومضة" لـ" العربي الجديد"، إن هذا الفن كان جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي المصري، قبل أن يتراجع حضوره خلال العقود الأخيرة.
وربما لخّص مشهد سينمائي في فيلم" الزوجة الثانية" (1967) للمخرج صلاح أبو سيف هذا الحضور؛ ففي لحظة مأزومة، تُنصت البطلة (سعاد حسني) إلى عرض أراجوز قريب، كأن صوته يحمل حلاً مشفّراً.
هنا، يتجاوز الأراجوز كونه وسيلة تسلية، ليصبح وسيطاً رمزياً ينقل حكمة شعبية ساخرة، قادرة على اختراق الخوف.
هذا الدور لم يكن طارئاً، إذ جابَت عروضُ الأراجوز القرى والأحياء، مقدمةً عالماً موازياً يتيح للناس أن يروا أنفسهم ويسخروا من واقعهم.
شخصية الأراجوز نفسها مراوغة ومشاكسة، تتحدى السلطة بالحيلة وتعيد صياغة العلاقة معها على نحو رمزي.
الأراجوز شخصية إشكالية ومراوغة تتسم بالحكمة وتتسلح بالسخريةنجحت فرقة" ومضة" التي أسسها الأكاديمي نبيل بهجت عام 2003، في تقديم عروض منتظمة ومجانية في بيت السحيمي، في محاولة لخلق صلة مستمرة مع الجمهور، خصوصاً في ظل ندرة اللاعبين المحترفين.
ومن بين هؤلاء يبرز محمود سيد، الذي ارتبط بالأراجوز منذ طفولته في حي السيدة زينب، حيث جذبته عروض الموالد، وبخاصة الصوت المميز لشخصية الأراجوز.
امتد نشاط الفرقة إلى جولات دولية في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية والعربية، لكنها واجهت تحديات تتعلق بالاعتراف الرسمي بهذا الفن، قبل أن تتوّج بإطلاق برنامج لحمايته بالتعاون مع اليونسكو، إلى جانب مشاريع تدريبية تستهدف إعداد جيل جديد من اللاعبين.
في كتابه" الأراجوز.
بين الروايات الأصلية والروايات المزيفة" (المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب، 2026)، يشير نبيل بهجت إلى أن اسم الأراجوز لا يقتصر على الدمية، بل يشمل المسرح بأكمله بوصفه عالماً قائماً بذاته.
حول هذه الشخصية المركزية تتوزع أدوار متعددة، يؤديها اللاعب وحده، متنقلاً بينها صوتياً بمرونة لافتة، مانحاً كل شخصية نبرة خاصة، سواء كانت نسائية أو بلهجة محلية أو حتى بصوت طفل.
ويعتمد كثير من العروض على الارتجال والتفاعل المباشر مع الجمهور، ما يمنحها قدرة على استيعاب التحولات الاجتماعية بسرعة، وإعادة إنتاجها في صيغة ساخرة آنية.
هذه الطبيعة المفتوحة تجعل كل عرض تجربة مختلفة.
وتعود جذور الأراجوز إلى تقاليد أقدم في مسرح الدمى الشرقي، مع اختلاف الآراء حول أصل التسمية؛ فهناك من يربطها بالتركية" Karakoz"، وآخرون باسم الوزير الأيوبي قراقوش، بينما يردّها رأي ثالث إلى أصل قبطي يعني" راوي الحكايات".
وقد ازدهر الأراجوز في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خصوصاً في الأسواق والموالد، وشكّل جزءاً من المشهد الاحتفالي، مقدماً موضوعات مستمدة من الحياة اليومية، بإسقاطات اجتماعية وسياسية ساخرة.
اليوم، تحاول المؤسسات الثقافية إعادة إحيائه عبر برامج توثيق وتدريب، إلى جانب التفكير في إنشاء فضاءات عرض ومتاحف متخصصة، وتعكس هذه الجهود تحولاً في النظر إلى التراث، بوصفه ممارسة حيّة لا مجرد مادة للحفظ، عبر استعادة الوظيفة الاجتماعية للأراجوز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك