CNN بالعربية - وسط مفاوضات إيران.. ويتكوف وكوشنر يلتقيان خبراء في منشأة نووية أمريكية التلفزيون العربي - لقاح ابتُكر بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي.. ماذا قيل عن فاعليته؟ الجزيرة نت - لماذا تؤيد أوروبا دعوة زيلينسكي للمفاوضات المباشرة مع بوتين؟ الليوان - تقرير عن مسرحية "ليلة عسل" ولقاء مع الأبطال روسيا اليوم - شاهد.. محاولة فاشلة لإقامة نصب تذكاري لـ "مانديلا الفلسطيني" وسط لندن روسيا اليوم - سياح إسرائيليون يواجهون صيحات استهجان لدى وصول سفينتهم إلى اليونان روسيا اليوم - "نحن في وضع كارثي".. تظاهرة نسائية في عدن تندد بتردي الخدمات وسط أزمة معيشية متفاقمة قناة الغد - ضربة موجعة للنشامى.. الإصابة تُبعد المهاجم إبراهيم صبرة عن كأس العالم Independent عربية - حرب "مذكرة التفاهم"... حلمان في سرير واحد روسيا اليوم - اتفاق لبنان وإسرائيل.. حزب الله يضع شروطه
عامة

مذاق الحرب.. كيف صنعت الحرب الأهلية اللبنانية ذاكرة الطعام والنجاة؟

التلفزيون العربي
2

حين تُستعاد الحرب الأهلية اللبنانية، تذهب الذاكرة سريعًا إلى الجبهات والمتاريس والحواجز والبيانات العسكرية وأسماء الميليشيات والاتفاقات.لكن الحرب لا تعيش في الوجدان من هذه الزاوية وحدها، فهناك حرب أ...

ملخص مرصد
أثرت الحرب الأهلية اللبنانية على المطبخ اللبناني بتحويل الطعام من متعة يومية إلى أداة نجاة، حيث أصبحت المكونات الأساسية مثل الطحين والمعلبات رموزًا للأمان في ظل انقطاع الكهرباء والغاز. تغيّرت الأولويات من التنوع إلى الكفاية، وأصبحت النساء رائدات في إدارة الموارد تحت الضغط للحفاظ على الاستقرار النفسي والعائلي. بقيت بعض الأكلات في الذاكرة ليس لمذاقها فقط، بل لأنها كانت الحل الوحيد للبقاء في ظروف قاسية.
  • تحوّل الطعام من متعة إلى أداة نجاة بسبب انقطاع الإمدادات في الحرب الأهلية اللبنانية.
  • أصبحت النساء يدبّرن الطعام تحت الضغط للحفاظ على الاستقرار النفسي والعائلي.
  • بقيت بعض الأكلات في الذاكرة بسبب قدرتها على البقاء في ظروف الحرب وليس لمذاقها فقط.
من: النساء في البيوت اللبنانية أين: لبنان

حين تُستعاد الحرب الأهلية اللبنانية، تذهب الذاكرة سريعًا إلى الجبهات والمتاريس والحواجز والبيانات العسكرية وأسماء الميليشيات والاتفاقات.

لكن الحرب لا تعيش في الوجدان من هذه الزاوية وحدها، فهناك حرب أخرى بقيت في المطابخ، وفي أكياس العدس والأرز، وفي الخبز الذي كان يجب أن يكفي وقتًا أطول، وفي الأطباق التي لم تعد تُطهى لأنها تحتاج إلى مكونات كثيرة أو وقت لا تسمح به الظروف.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة الحرب لا كصراع على الأرض فقط، وإنما كتجربة أعادت تعريف الطعام نفسه: من متعة يومية وعادة عائلية إلى أداة بقاء، ومن مساحة ذوق إلى مساحة تدبير ونجاة.

ففي سنوات الحرب، لم يعد سؤال الطعام بسيطًا.

لم يعد متعلقًا بما تشتهيه العائلة أو بما اعتادت طهوه في الأيام العادية، وإنما بما هو متاح، وما يمكن تخزينه، وما يمكن أن يكفي أكبر عدد من الأفراد، وما يحتمل الانقطاع الطويل للكهرباء أو الغاز أو الأسواق أو الطرقات.

هكذا دخلت الحرب إلى تفاصيل المطبخ اللبناني، وغيّرت العلاقة مع الأكل من كونه جزءًا من الروتين الطبيعي إلى كونه جزءًا من الحساب اليومي للبقاء.

حين صار الطعام مسألة أمانفي أوقات السلم، يُفترض بالطعام أن يكون مساحة راحة ومشاركة ومذاق.

أما في الحرب، فإن هذه المعاني تتراجع أمام معنى آخر أشد إلحاحًا: الأمان.

ماذا نأكل إذا اشتد القصف؟ ماذا نحتفظ به إذا أُغلقت الطرق؟ ما الذي يجب أن يبقى حاضرًا في البيت دائمًا؟ وما الذي يمكن الاستغناء عنه؟هكذا، لا يعود الطعام في زمن الحرب مسألة مطبخ فقط، وإنما يصبح جزءًا من تصور الناس للخطر نفسه.

فوجود الطحين أو المعلبات أو الزيت أو الماء أو الغاز ليس تفصيلًا منزليًا عاديًا، وإنما أحد شروط الاطمئنان النسبي.

ومع كل نقص أو انقطاع، يتغيّر شعور البيت كله، لأن المائدة في هذه الحالة لا تعبّر فقط عن الجوع والشبع، وإنما عن قدرة العائلة على الصمود يومًا إضافيًا.

ومن هنا، بقيت بعض الأكلات في الذاكرة اللبنانية لا لأنها كانت الألذ أو الأغنى، وإنما لأنها كانت الأقدر على العيش في ظروف صعبة.

أطباق بسيطة، قليلة الكلفة، مشبعة، ويمكن إعدادها بسرعة أو بمكونات محدودة، وهذا ما يجعل الحديث عن “ذاكرة الطعام” في الحرب حديثًا عن معنى النجاة أيضًا.

الحرب لا تغيّر فقط ما يطبخه الناس، وإنما تغيّر طريقة نظرهم إلى المكونات نفسها، البيضة تصبح أثمن، وكيلو السكر يصبح احتياطًا، والخبز لا يعود شيئًا متاحًا دائمًا، والمعلبات تتحول إلى مورد إستراتيجي صغير.

في هذه البيئة، تتراجع فكرة التنوع لصالح فكرة الكفاية، وتتراجع الرغبة لصالح الحساب، ويتحوّل الطبخ من مساحة تعبير يومي إلى فنّ في الاقتصاد والتدبير.

وهنا بالذات تظهر براعة البيوت في الحروب.

ليس لأن الناس يصبحون أكثر رفاهية، وإنما لأنهم يضطرون إلى اختراع حلول من القليل.

كيف تتحول مكونات محدودة إلى وجبة تكفي الجميع؟ كيف يُعاد توزيع ما تبقى في البيت؟ كيف يُطهى الطعام على عجل إذا كانت الأصوات في الخارج لا توحي بوقت طويل؟ وكيف يمكن الحفاظ على شيء من معنى الحياة الطبيعية عبر صحن ساخن، حتى حين يكون الخارج كله مهددًا؟هذه الأسئلة تجعل المطبخ جزءًا من يوميات الحرب لا هامشًا عليها.

فالنجاة هنا لم تكن في الهرب فقط، وإنما في القدرة على تمرير اليوم من دون انهيار كامل، والطعام كان دائمًا في قلب هذه المعادلة.

في كثير من البيوت اللبنانية، كانت النساء هنّ من يدبّرن هذا الجانب من الحياة تحت الضغط.

لم يكن المطلوب الطبخ فقط، وإنما تقدير ما تبقى، وتنظيم الأولويات، وتهدئة القلق، وإيجاد طريقة تمنح البيت شكلًا من أشكال الاستمرار.

وفي الحروب، لا تقل هذه المهمة صعوبة عن أي عبء آخر، لأن الطعام لا يشبع الأجساد فقط، وإنما يحفظ إيقاعًا نفسيًا وعائليًا دقيقًا.

كانت الوجبة أحيانًا إعلانًا صامتًا بأن البيت ما زال قائمًا.

وأن العائلة، على الرغم من كل شيء، لا تزال تجتمع حول شيء يشبه الحياة.

وربما لهذا السبب، بقيت كثير من الذكريات المرتبطة بالحرب مشدودة إلى صورة الأم أو الجدة وهي تدبّر ما أمكن، أو إلى رائحة أكلة بسيطة ارتبطت بمساء طويل من القصف والانتظار.

وهكذا، لم يعد الطعام في الحرب شأنًا منزليًا ثانويًا، وإنما صار أحد أكثر أشكال المقاومة اليومية هدوءًا وعمقًا: أن يستمر البيت في إنتاج حياة، ولو بأقل الإمكانات.

من أهم ما رسخته الحرب في البيوت اللبنانية ثقافة المونة والتخزين.

صحيح أن المونة جزء من ثقافة أقدم من الحرب، لكن سنوات الاقتتال أعادت شحنها بمعنى جديد.

صار التخزين مرتبطًا باحتمال الانقطاع، لا بالموسم فقط.

وصار وجود المواد الأساسية في البيت جزءًا من الاستعداد النفسي، لا من التنظيم المنزلي وحده.

ولهذا، بقيت المونة بعد الحرب أكثر من عادة، وبقيت معها فكرة الاحتياط نفسها: ألا يفرغ البيت من الأساسيات، وألا يُؤخذ الناس على حين غرّة، وألا تكون النجاة اليومية مرهونة بما إذا كانت الطريق مفتوحة أو السوق متاحة.

وفي أزمنة الأزمات اللاحقة، كان هذا الدرس يعود تلقائيًا، كأن الحرب تركت في الذاكرة قاعدة تقول إن المطبخ يجب أن يبقى مستعدًا دائمًا.

من هنا، لا تبدو بعض السلوكيات المنزلية في لبنان منفصلة عن أثر الحرب: الخوف من النقص، شراء كميات إضافية، الاحتفاظ بما قد يلزم لاحقًا، وتحويل بعض المواد إلى رمز للأمان المنزلي.

هذه ليست فقط عادات اقتصادية، وإنما آثار نفسية لسنوات تعلم فيها الناس أن الطعام قد يصبح فجأة جزءًا من معركة البقاء.

مذاق لا يُنسى لأنه ليس مذاقًا فقطما يبقى في الذاكرة من الطعام في أزمنة الحرب لا يكون النكهة وحدها، وإنما الظرف كله.

ما الأكلة التي طبختها الأم في ذلك اليوم؟ ما الذي كان متاحًا؟ من كان حاضرًا على المائدة ومن كان غائبًا؟ كيف بدت الوجبة حين كانت الأصوات في الخارج لا تطمئن؟ كيف صار صحن بسيط علامة على أن الحياة لم تنكسر بالكامل؟ولهذا، لم تترك الأهلية اللبنانية لم تترك وراءها دمارًا سياسيًا وعسكريًا فقط، وإنما تركت مطابخ تعلّمت كيف تحوّل القليل إلى ما يكفي، وبيوتًا ربطت بعض الأكلات بشعور النجاة، وعائلات بقيت تحفظ الحرب في مذاق أشياء صغيرة أكثر مما تحفظها في الخطب الكبيرة.

وفي النهاية، لا يكون الطعام في الحرب مجرد شأن معيشة، وإنما لغة كاملة عن الخوف والاقتصاد والاحتمال والقدرة على الاستمرار.

وربما لهذا السبب بقي مذاق الحرب حيًا في الذاكرة اللبنانية: لأنه لم يكن مذاق طبق فقط، وإنما مذاق مرحلة كاملة عاش فيها الناس وهم يحاولون أن يُبقوا الحياة ممكنة، ولو بوجبة بسيطة على نار خافتة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك